الأربعاء، 18 يونيو 2014

تحليل نموذج من مؤّلف" ظاهرة الشّعر الحديث" للمجاطي:

تحليل نموذج من مؤّلف" ظاهرة الشّعر الحديث" للمجاطي:

ورد في الفصل الأول من كتاب" ظاهرة الشعر الحديث" ما يأتي:
" أراد الشّاعر الوجدانيّ، أن يجعل للصورة وظيفة أساسية، وأن تكون هذه الوظيفة معبّرة من تجربته الذّاتية، ومن رؤيته للحياة، عبر تلك التجربة، ولم يعد التدبيج والزخرفة هدفه الأساسي من استخدامها..." أحمد المعداوي المجاطي: ظاهرة الشعر الحديث، شركة النشر والتوزيع-المدارس . الدار البيضاء، ط2-2007، صص: 43-44.
انطلق من هذه (القولة) ومن قراءتك المؤلف النقدي، ثمّ أنجز ما يلي:
-ربط القولة بسياقها داخل المؤلّف؛
-تحديد وظيفة الصورة لدى شعراء الاتجاه الوجداني؛
بيان المنهج المعتمد في دراسة ظاهرة الشعر الحديث.

التحليل:

يعدّ كتاب "ظاهرة الشعر الحديث" من الكتب الرّائدة في دراسة تطوّر الشعر العربي الحديث، بدءا من مدرسة إحياء النموذج وصولا إلى شعر تجديد الرّؤيا.فما موقع القولة داخل المؤّلَّف؟ وما وظيفة الصّورة الشعرية عند الرّومانسيين؟ وما المنهج الذي اعتمده النّاقد في دراسة ظاهرة الشعر الحديث؟
وردت القولة في سياق إبراز الخصائص الشكلية للشعر الرّومانسي، وذلك في الفصل الأول وتحديدا في القسم الثاني المعنون ب" نحو شكل جديد" الذي عرض فيه النّاقد لتطور القصيدة الرومانسية من ناحية اللغة والإيقاع والصورة الشعرية، التي صارت أكثر ارتباطا بالذات وتعبيرا عن الوجدان، رادّةً بذلك الاعتبار لذات الشّاعر التي طالما همّشتها الحركة الإحيائيّة، وهكذا لم تعد الصّورة الشعرية مستقاةً من الذّاكرة ومستدعاةً من المحفوظ الشّعريّ بل صارت نابعة من التجربة الذّاتية التي يحياها الشاعر، ومعبّرة عن رؤيته للحياة وفهمه لها، حيث ابتعد شعراء الرومانسية عن التدبيج والزخرفة والصنعة الفنية في إبداع صورهم، ونضرب مثلا لذلك بقول جبران:

هل تَخِذْتَ الغابَ مثلي منزلا دون القصور
وتبّعتَ السواقي وتسلّقت الصّخور
وشربتَ الفجر خمرا في كؤوس من أثير
ومن ذلك أيضا قول إبراهيم ناجي معبّرا عن فرحته بطريقة فيها كثير من الجدّة:
ومشيْنا في طريق مقمر تثبُ الفرحة فيه قبلنا
وضحكنا ضِحْكَ طفلين معا وعدونا فسبْقنا ظّلنا
فهذه الصورة تعبير عن شعور بالفرحة ، وهي نابعة من تجربة ذاتية عاشها الشاعر، ولم يسْتدْعها من الذّاكرة. وعليه ارتبط الشاعر الوجداني بذاته معبّرا عنها في حالاتها المختلفة، جاعلا الصورة الشعرية وسيلة لنقل حالات النفس في تقلّباها.
ووظّف النّاقد مجموعة من المناهج في دراسته لظاهرة الشّعر الحديث؛ فهناك المنهج التّاريخيّ الذي يبرز في التّحقيب التّاريخي للشعر العربي في بداية المؤلّف؛ بدءا من الشعر القديم ومرورا بالشعر الأندلسي، وصولا إلى الشّعر الحديث ممثّلا في تيارات الإحياء والرومانسية والتكسير، والمنهج الفنّي الذي يظهر في تقسيمه للمدارس الشّعرية حسب خصائصها الفنّية ومميّزاتها الجماليّة، سواء في اللغة أو الإيقاع أو الصور، وهي المدارس المعروفة والمتمثّلة في "إحياء النموذج وسؤال الذّات ومدرسة الشّعر الحديث"، كما يظهر المنهج الفنّي أيضا في دراسة شكل القصيدة الحديثة في الفصل الرّابع من خلال التّركيز على الموسيقى واللغة والتصوير، أما المنهج الثالث فهو المنهج الاجتماعي الذي يرصدُ تأثُّرَ الأدبِ بالمجتمع، ويبرزُ في ربْطِ تطوّر الشعر الحديث بنكبة فلسطين وما تلاها من تحوّلات عميقة في المجتمع العربيّ، ناهيكَ عن المنهج الأسطوري الذي يبرز في الفصل الثّالث أثناء تناول النّاقد لتجربة الموتِ والحياة والتركيز على أساطير الانبعاثِ والموت، كما نجدُ المنهج النّفسي حاضرا في حديثِ النّاقد عن غربة الشّاعر الحديث وضياعه الوجوديّ، وكيف أثّر عليه ذلك في إنتاج شعرٍ يتغنّى بالغربة واليأسِ ولقلقِ والسأم والتّشاؤم.
وبكلمة؛ استطاع الشاعر الرومانسي أن يجدّد في طبيعة صوره ويجعلها معبّرة عن ذاته ونابعة من تجربته، كما امتلك القدرة على التجديد النسبي في لغته وإيقاع القصيدة، وهو ما فتَح الطريق لحركة تكسير البنية لتحدثَ أكبر رجّة تجديدية في تاريخ الشعر العربي.

بعدَ جهدٍ جهيدٍ في مُحاورةِ الفصل الثالثِ من "ظاهرة الشعر الحديث"، ها هو ذا تلخيصُه:

بعدَ جهدٍ جهيدٍ في مُحاورةِ الفصل الثالثِ من "ظاهرة الشعر الحديث"، ها هو ذا تلخيصُه:

تلخيص الفصل الثالث "تجربةُ الحياةِ والموت":
تأثر الشاعر الحديث بواقع الهزيمة الأسود وبالأحداث التي تلتهُ ، فتأرجحَ إحساسه بين إيقاع اليأس الذي ولّد تجربة الغربة وإيقاع الأمل الذي أثمر تجربة الحياة والموت، وفي ظلّ الهزات العنيفة التي عاشها العالم العربيّ في فترة الخمسينات وتأرجُح الواقع بين اللحظات المشرقة (تأميم القناة، مشروع الوحدة بين مصر وسوريا، ثورة العراق..) واللحظاتِ المظلمة ( الاستعمار، العدوان الثلاثي..) تراوحت تجربة الشاعر الحديث بين إيقاع اليأس وإيقاع الأمل. وهكذا كانت تجربة الغربة التي أفرزها اليأس مشدودة إلى الواقع فيما ارتبطت تجربة الموت بمعاناة الواقع واستشراف المستقبل.
وكان الشاعر الحديث في ظل هذا الواقع وهو يعاين موتَ الحضارة العربية يفكّر في بعثها ويؤمن بولادتها من جديد، وللتعبير عن إمكانية هذا البعث والتجدد استعان بالأساطير المعبرة عن الموت والحياة كأسطورة تموز وعشتار، وأسطورة أورفيوس، وأسطورة الفينيق ، وأسطورة العنقاء... وأثمر اعتماد هذه الأساطير منهجا أسطوريا اختلف من شاعر لآخر، فصار الشاعر يحدّث الناس عن إمكانية انبثاق الأمل من أنقاض اليأس، وعلى انتصار الحياة على الموت. وكانت لكل شاعر طريقته ومنهجه الأسطوري النابع من رؤيته ورُؤياهُ للواقع:
أدونيس: التحول عبر الحياة والموت:
يصدُر أدونيس في تعبيره عن تجربة الحياة والموت عن ذاتٍ ممتائة بفحولة التاريخ العربيّ وجموح الحضارة العربية، وهو ما جعله يتّخذ موقفا من الواقع شبيها بموقف المسيح من جُثّة "لَعَازَرْ" الذي أحياها، وتسير معاني الموت عند أدونيس في اتجاهين:
1-اتجاه الحيرة والتساؤل عن كيفية البعث والولادة:
من أين كيف أوقظ النيام؟
والبحث عن وسيلة للبعث:
أبحث في مملكة الرماد
عن وجهك المدفون يا بلادي
2-اتجاهُ التحوّل: ومعناه تجدّد الواقع بموتِ وجودٍ قائم ليحلّ محلّه وجود آخر، حيث تصير التضحية سبيلا لبعث الأمة:
نبتت زهرة على الضفة الأخرى
بموتي، صرتُ المدى والمدارا
ويتّضحُ التّحول من الموتِ إلى الحياةِ في قصيدة "تيمور ومهيار"، حيث يحاول تيمور رمز الظلم والموت والاستعباد قتل مهيار رمز الشعب والحياة والحرية، ويستخدم في ذلك طرقا عدّة: يسجنه، يحرقه، يمسخه، يقطّعه إلى أجزاء، لكنه في كل مرّة ينبعث مؤكّدا مقاومة الموت والإيمان بالبعث، ويستثمر في هذه القصيدة أسطورة العنقاء التي تموت فليتهب رمادها لتحيا من جديد. ومهيار في القصيدة يرمز لإرادة الحياة لدى الأمة التي لا يمكن أن يقهرها الموت,
خليل حاوي: معاناة الحياة والموت
يرفض خليل حاوي مبدأ التحول ويقيم مكانه مبدأ المعاناة الذي يهيمن على مقدمات قصائده، ويتأرجح بين معاناة الخراب، ومعاناة الدمار، ومعاناة العقم والبعث.
وقد هيمنت معاناة الموت في ديوان "نهر الرماد"، حيث تسرب اليأس من البعث، وفشلت علاقة الشاعر بالمرأة، مما جعل معاناة التحول تحضر في قصيدة "بعد الجليد" حيث وظّف أسطورة تموز ليعبر عن الحلم بالبعث، وتجري القصيدة في دورتين : في الأولى يهيمن الموت، وفي الثانية تهيمن الرغبة في البعث والحياة، فيلجأ إلى تموز متضرعا:
يا إله الخصب يا بعْلا يفُضّ التربة العاقِر
يا شمس الحصيد
نجِّنا، نَجِّ عروق الأرض من عُقم دَهاها ودهانا
ويتحقق البعث في قصيدة "الجسر" بعد مخاض عسير:
صرخة تقطيع أرحام
وتمزيق عروق
لكن الأمل في الحياة والإيمان بالبعث يتحولّ في ديوان "بيادر الجوع" إلى يأس عارم يظهر بوضوح في قصيدة لَعَازَر.
وهكذا يمكن القول أنّ تجربة الموت والحياة عند خليل حاوي مرّت من ثلاث فترات:
1-فترة مشرقة مثّلها ديوان )نهر الرماد) تراوحت بين 1953م و1956م.
2-فترة مشرقة مثّلها ديوان ( الناي والريح) هيمن فيها الإيمان بالبعث وامتدت من 1956م و1958م، حيث كان الأمل في الوحدة بين مصر وسوريا حاضرا.
3-فترة اليأس مثّلها ديوان (بيادر الجوع) وكانت نتيجة انفراط عقد الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1962 وتلاها انتحار الشاعر.
السّياب: طبيعة الفداء في الموت
يأخذ الموت عند السّياب طبيعة الفداء، ويعتقد أنّ لا خلاص إلا عبر الموت أي بتقديم مزيد من الضحايا والأموات، وهنا يغدو الموت انتصارا :
أودّ لو غرقت في دمي إلى القرار
وأبعث الحياة ، إن موتي انتصار
كما يصير الموت في قصيدة (قافلة الضياع) شرطا للبعث ومحققا له:
من يدفن الموتى ليولد تحت صخرة كل شاهدة وليد
وقد نجح السياب في إعطاء الموت معنى الفداء وتحديدا في قصيدة "المسيح بعد الصلب"، حيث يوحّد بين بعث المسيح المصلوب وبين بعث الأمة العربية(جيكور):
حينما يزهر البرتقال
حين تمتد جيكور،حتى حدود الخيال
يلمس الدفء قلبي، فيجري دمي في ثراها
ويتحقق البعث العظيم عبر مخاض المدينة ، فيُصبح المسيح فاديا ومفتدى. وهكذا استفاد السياب من الإطار الأسطوري لقصة المسيح ليحول الموت إلى فداء، ناجحا في الربط بين واقعه الذاتي النفسي وواقع الأمة الحضاري.
عبد الوهاب البياتي: جدلية الأمل واليأس:
تميّز البيّاتي بقدرته على كشف طبيعة الانهيار والسقوط التي انتهى إليها الواقع العربي، وفي نفس الوقت شاعت لديه النزعة المتفائلة، وهكذا تأرجحت تجربة الموت والحياة عنده بين ثلاث منحيات:
1-منحنى الأمل في البعث: وفيه انتصار ساحق للحياة على الموت، حيث يقود الموت إلى الحياة:
جثّتي في شاكئ النهر رماد
نبتت من فوقها زهرة نار
2-منحنى الانتظار: تكافؤ كفتي الموت والحياة، حيث يُؤجّلُ انبعاث بابل إلى أجل غير مسمى:
لو جُمعت أجزاء هي الصورة الممزقة
إذن، لقامت بابل المحترقة
تنفض عن أسمالها الرماد
3-منحنى الشك: ينتصر الموت على الحياة وينكشف الواقع الزائف واقع الدمار والانهيار والسقوط

وخلاصة القول كان الصراع بين الموت والحياة في حقيقته صراعا بين الحرية والحب والتجدد وبين الحقد والاستعباد والنفي من المكان ومن التاريخ، وأكّدت تجربة الموت والحياة وعي الشاعر العربي العميقَ بواقع ما بعد النكبة وما قبلها، واستشراف المستقبل والإيمان بإمكانية بعث الحضارة من جديد والرغبة في التجدد والانتصار على كل التحديات.

***** المتن الحكائي للرواية:****

***** المتن الحكائي للرواية:**** - تحكي رواية اللص والكلاب حكاية مثقف بسيط يدعى سعيد مهران، دخل السجن وخرج منه في عيد الثورة، بعد أن قضى فيه أربع سنوات غدرا ، دون أن يجد أحدا في انتظاره، ويقرر بعدها الذهاب إلى منزل عليش لاسترجاع ابنته سناء وماله وكتبه، ويفشل في ذلك وتسود الدنيا في وجهه أكثر عندما جفلت منه ابنته سناء ورفضت معانقته لأنها لا تعرفه ، وللتخفيف من حدة الانفعال وإحياء لبعض ذكريات ماضيه قرر الاستقرار مؤقتا برباط علي الجنيدي، الذي قضى عنده ليلته، ولكن روحانية المكان وطقوسه الخاصة وأجوبة علي الجنيدي العامة والمغرقة في الروحانيات، جعلت سعيدا لا يرتاح كثيرا للإقامة بهذا المكان المليء بالمنشدين والمريدين، لذلك قرر اللقاء بأستاذه رؤوف علوان ذلك الصحفي الناجح الذي صار من الأغنياء قصد تشغيله معه في جريدة الزهرة، فاتجه بداية إلى مقر جريدة الزهرة، ثم بعد ذلك نحو فيلته، وهناك سيفاجأ سعيد مهران بفكر جديد لرؤوف علوان يقدس المال ولا يكترث للمبادئ والقيم النضالية ، كما سيفاجأ برغبته في إنهاء علاقته به خاصة عندما رفض طلب تشغيله وأعطاه مبلغا من المال ليدير شؤون حياته بمفرده بعيدا عنه، مما اضطر سعيد مهران إلى التفكير في الانتقام منه، فقرر العودة إلى فيلته في تلك الليلة لسرقتها لكنه وجد رؤوف علوان في انتظاره لأنه عليم بأفكار تلميذه، فهدده بالسجن واستعاد منه النقود وطرده من البيت، وخرج سعيد ليلتها مهزوما ومشاعر الحقد والانتقام تغلي في دواخله، فلقد اكتمل عقد الخيانة وباكتماله تبدأ رحلة الانتقام، وتسود الدنيا في وجهه ولا يجد ملاذا أفضل من مقهى المعلم طرزان، الذي لم يتردد لحظة في إهدائه مسدسا سيكون له دور كبير في مسلسل الانتقام، وفي ذات المكان سيلتقي بنور التي بدورها ولدافع حبها الشديد له مذ كان حارسا لعمارة الطلبة، ستوفر له المأوى والطعام والشراب والجرائد والسيارة، ولما توفرت له شروط الانتقام' المسدس والسيارة' ذهب مباشرة لقتل عليش في منزله لكنه أطلق النار على حسين شعبان الرجل البريء الذي اكترى شقة عليش بعد رحيله، لكن سعيد مهران لم ينتبه لذلك ولم يعرف خطأه حتى اطلع على الجرائد، وفي خضم هذه الأحداث استغلت جريدة الزهرة الأوضاع وبدأت بقلم رؤوف علوان تبالغ في وصف جرائم سعيد مهران وتنعته بالمجرم الخطير الذي يقتل بدون وعي، الشيء الذي سيشعل نار الغضب في قلب سعيد الذي سيقرر قتل رؤوف خاصة بعدما ساعدته نور في الحصول على بذلة عسكرية، فيستهل انتقامه بالقبض على المعلم بياظة بهدف معرفة الاقامة الجديدة لعليش ونبوية لكن دون جدوى فعاد إلى بيت نور ثم ارتدى بذلته العسكرية، واستقل سيارة أجرة ثم اكترى قاربا صغيرا ليتجه صوب قصر رؤوف علوان ، للانتقام منه وفور نزوله من سيارته أطلق سعيد مهران عليه النار لكن رصاصات الحراس السريعة والكثيرة وإصابته بإحداها جعلته يخطئ هدفه، فأصاب بوابا بريئا بدل غريمه، وأثناء اطلاعه على الجرائد التي أمدته بها نور تعرف على خطئه فشعر بندم شديد، واسودت الدنيا في وجهه مع استمرار جريدة الزهرة في تحريض الرأي العام ضده ، إلى أن انتهت حياته في مقبرة بعد أن حاصرته الشرطة وأطلقت عليه الرصاص من كل جانب فاستسلم بلا مبالاة بلا مبالاة ، وحلت بالعالم حال من الغرابة والدهشة.
**** الحبكة*****: - الحبكة هي النسيج الذي يرصد الأحداث في اتصالها وانفصالها واتجاهاتها، وتنقسم إلى تقليدية تتوالى فيها الأحداث بشكل متسلسل، وأخرى مفككة لا تخضع لتسلسل منطقي، ويبدو أن الحبكة المعتمدة في رواية اللص والكلاب، تقليدية بدليل قيامها على الأسباب المؤدية إلى النتائج، فكل حدث فيها يؤدي إلى حدث آخر وهكذا تقوم الأحداث على مجموعة من الأسباب ، فالخيانة التي تعرض لها سعيد دفعته للانتقام و اكتراء حسين شعبان لمنزل عليش جعلت الرصاصة تصيبه، ووشاية عليش ونبوية جعلت سعيدا يدخل السجن.... * **الرهان**: ينقسم الرهان دائما إلى رهان المحتويات ويتأسس حول الشخصيات والموضوعات المتنازع عليها، ورهان الخطاب ويتأسس على علاقة المؤلف مع المتلقي أو علاقة النص مع المتلقي، وإذا عدنا إلى مثن اللص والكلاب وجدنا أن رهان المحتوى الذي له علاقة بالشخصيات يتراوح بين الفشل والنجاح، فسعيد مهران يفشل في تحقيق رهانه الكلي المتمثل في تحقيق مشروعه النضالي وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويتراجع عن هذا الرهان إلى رهان آخر جزئي وهو الانتقام من خصومه دون أن يحققه، بخلاف غريمه رؤوف علوان الذي استطاع تحقيق رهانه المتجسد في الحصول على الثروة وإن كانت الطريقة وصولية انتهازية. أما رهان الخطاب أو النص ككل فيمكن حصرهفي كون المحاولات الفردية لتغير الواقع مآلها الفشل، فلا يمكن لفرد مهما أوتي من ذكاء وعزيمة وإصرار أن يغير واقع أمة مهما كان الواقع مأساويا وظالما، فالتضحيات يجب أن تكون جماعية لكي ينتصر الخير على الشر، والحق على الباطل، والعدل على الظلم. *
***دلالات وأبعاد الحدث***: إن كل الإشارات التاريخية التي وردت داخل مؤلف اللص والكلاب، تشير إلى أن الرواية لها علاقة بواقع مصر السياسي والاجتماعي لما بعد الثورة المصرية سنة1952م ، ومن هذا المنطلق أمكن لنا أن نقول ومن خلال الأحداث التي وقعت لسعيد مهران والذي وجد نفسه فجأة يعاني من تفكك أسري وحزبي، أن رواية اللص والكلاب رواية تستهدف بأبعادها كشف واقع مصري يعاني معاناة اجتماعية ونفسية نتيجة السلوك الانتهازي لبعض الأفراد الذين غيروا قناعاتهم النضالية ومواقفهم استجابة لمتغيرات نهاية مرحلة الخمسينيات والستينيات ونتيجة لإرضاء مآربهم الشخصية، ودمروا بمواقفهم المتغيرة أسرا كثيرة وحكموا على الشعب بشكل عام بالفقر والجوع والقلق الوجودي والروحي.ب- المنظور الثاني: تقويم القوى الفاعلة
1- جرد القوى الفاعلة****: القوى الفاعلة لا تنحصر في الشخصيات بل تشمل كذلك المؤسسات والأفكار والقيم والمشاعر، وكل ما يساهم في تحريك الأحداث، وبالعودة إلى رواية اللص والكلاب أمكننا جرد القوى الفاعلة كالتالي: أ- الشخصيات: تنقسم شخصيات اللص والكلاب إلى رئيسية وثانوية وعابرة، سنحاول تقديم خصائصها ومواصفاتها بالاعتماد على الجدول الثالي بدء بالرئيسية وانتهاء بالعابرة.الشخصياتخصائصها وصفاتهاسعيد مهرانشاب مصري مثقف، تحمل مسؤولية أسرته منذ الصغر، توفي أبوه وبعده أمه، مؤمن بمبادئ المساواة والعدل والكرامة والإنصاف، مناصر للمظلومين والكادحين، ناضل من أجل تحقيق مبادئ الاشتراكية على الواقع،حريص على الانتقام من نبوية وعليش اللذان غدرا به وأدخلاه السجن،ومن رؤوف الذي تنكر لمبادئ الحزب والنضال، يعاني من فراغ روحي وقلق وجودي وغربة وضياع، أسير الحقد والكره والانتقام.رمز للكادحين والفقراء المناضلين من أجل القيم.رؤوف علوانطالب قروي، مناضل مؤمن بالتغير، له قدرة على التأثير بأسلوبه في محاوريه، أكمل دراسته ثم تحول إلى صحفي ناجح، انتهز الظروف السياسية الجديدة فتحول إلى قلم برجوازي مأجور، تنكر لأصوله الكادحة،ولطبقته،متطلع بشغف لحياة الارستقراطية،أكلا وملبسا ومسكنا، يشوه الحقائق ويكلب الرأي العام ضد سعيد ويصوره مجرما خطيرا. رمز للبرجوازية القاسية على الفقراء.عليشغريم سعيد مهران – المستفيد من سجنه والمستولي على زوجته وابنته وجميع ممتلكاته – متحايل كبير – انتهازي خائف على مصيره الشخصي ومتخذ لجميع الاحتياطات حتى لا ينال منه خصمه سعيد مهران.رمز لخيانة الصداقة.الشيخ علي الجنيديزاهد متصوف، له انشغالات روحية بعيدة عن الواقع المعيش، يحاول تبرير الواقع بالغيبيات لأنه مستفيد من الوضع السياسي السائد – يشكل نوعا من الاطمئنان النفسي والروحي لسعيد مهران – يلجأ إليه دائما وقت الشدة . رمز للتصوف والفكر الديني.نـــــــــورعنصر مساعد للشخصية الرئيسة سعيد مهران – مومس – قست عليها الحياة الاجتماعية – متوسطة الجمال – مستسلمة لرغبات الزبناء – مغرمة بسعيد مهران وترغب في زواجه – وفرت له الطعام والمسكن والجرائد والسيارة . رمز للإباحية والقيم المفقودة. المعلم طرزانصاحب مقهى – صديق سعيد، وفر له المسدس وأمده بمعلومات هامة ساعدته على الاختفاء عن أنظار الشرطة.رمز للصداقة الصادقة. نبويةزوجة سعيد السابقة، وأم سناء أحبها سعيد بصدق وظل يحلم بالاستقرار الدائم إلى جوارها مع ابنته سناء بعد خروجه من السجن،لكنها تنكرت له وارتبطت بعليش. رمز للخيانة الزوجية. سناءموضوع صراع بين الأب الطبيعي سعيد مهران و زوج الأم والمحتضن عليش، لم تتعرف على أبيها، تبدو خائفة مضطربة أثناء اللقاء الذي جمعها بابيها الحقيقي سعيد مهران. رمز للبراءة المغتصبة. المعلم بياضةزميل سابق لسعيد وصديق وشريك عليش، خان صديقه الأول، وكاد أن يؤدي ثمن هذه الخيانة أثناء لقائه بسعيد مهران الباحث عن المكان الجديد الذي استقر به عليش.ب - المؤسسات: في الرواية عدة مؤسسات فاعلة في أحداث الرواية ومؤثرة على شخصياتها نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : السجن باعتباره أول مكان يؤطر فضاء الرواية، أثناء تواجده به حصلت الخيانة، وتحققت أهداف الانتهازيين، وهناك الصحافة التي أثرت في جهاز الشرطة والرأي العام المنقسم إلى معارض أو مناصر لسعيد مهران، ثم هناك المدرسة والجامعة التي شكلت نعمة لرؤوف علوان ومصدر وعي شقي لسعيد مهران.ج- الجمادات : متنوعة بين الحارة والمقهى ومنزل نور و فيلا رؤوف علوان والجبل والمقبرة والشوارع وعمارة سكن الطلبة ورباط الجنيدي، والتي تركت آثارها القوية أو الضعيفة في نفسيات شخصيات الرواية، فهي تحتضن الذكريات حلوها ومرها، لذلك تم استرجاعها أحيانا، أو محاولة تناسيها كما هو الشأن بالنسبة لرؤوف علوان و عليش المتنقل من منزل لآخر خوفا على حياته من انتقام سعيد مهران.د- القيم والمشاعر: تتنوع هذه القيم والمشاعر بين القناعة والاستسلام للأمر الواقع ويمثلها علي الجنيدي، والانحراف والخروج عن القوانين، ويتجسد ذلك في شخصية المومس نور والمتاجرين في الممنوعات من ذوي السوابق كطرزان وغيره، ثم الرغبة في الغنى والثراء على حساب القيم الأصلية والانتماء الطبقي، ويبرز ذلك جليا في التسلط الطبقي لرؤوف علوان، في مقابل الالتزام الإيديولوجي والإيمان الصادق بالعنف الثوري المجسد في شخصية سعيد مهران، أما عليش فيمثل أعلى درجات الشخصية الانتهازية التي لم تكتف بسرقة أموال الصديق بل ا استولت على زوجته وابنته وكل ممتلكاته، مما جعل مسألة الانتقام منه ونبوية تحتل مركز الاهتمام لدى سعيد مهران.ولعل أهم الشخصيات التي عاشت عدة مشاعر متناقصة ومتضاربة وجارفة هي شخصية سعيد مهران، لأنه عاش خيانة مزدوجة، الأولى اجتماعية من زوجته وصديقه عليش، والثانية إيديولوجية ثقافية من طرف أستاذه وموجهه رؤوف علوان، مما جعله يحس بالمهانة والخزي والعار أمام أسرته وأصدقائه وذاته، فقرر الانتقام من جميع الخونة.وهكذا يظل جرد القوى الفاعلة – شخصية كانت أو مؤسسات أو جمادات أو حيوانات أو قيما ومشاعر – الحاملة لحركة الفعل التي تمارسها الشخصيات في الرواية أساسية ومهمة في التحليل، لأنها تساهم بطريقة ما من الطرق في الحدث. ج الكشف عن البعد النفسي:إن قراءتنا لرواية اللص والكلاب من المنظور النفسي، تنتهي بنا إلى إدراك ما تخفيه الشخصيات من مشاعر وأحاسيس وعواطف متوترة، نستنتج منها عمق الأزمة الإنسانية النفسية التي يعاني منها المجتمع المصري والعربي في خمسينيات وستينيات القرن20، الذي قدر عليه أن يعيش في زمن غريب لا يأنس له ولا يشعر معه بالاطمئنان ، إن مؤلف اللص والكلاب بهذا المعنى رواية واقعية نقدية رمزية تكشف عن الحالة النفسية للمجتمع من خلال التعمق في شخصية سعيد مهران الذي تعرض لخيانات اجتماعية وسياسية خلقت منه نموذجا بشريا دائم القلق والحيرة ، فمن يكون سعيد مهران نفسيا؟ وما علاقته بالإنسان العربي؟لقد قدمت رواية اللص والكلاب شخصية سعيد مهران ذلك الشاب الفقير الذي تعرض لأنواع من الحرمان والقهر بمواصفات نفسية جعلت منه نموذجا إنسانيا عربيا يعاني من توتر نفسي وعاطفي وقلق وغربة سواء تجاه من خانوه' نبوية، عليش، رؤوف' أو أحبوه' نور، طرزان، فئة الفقراء' أو إزاء الزمن الماضي والحاضر والمستقبل،فعن طريق استرجاع شريط الألم ' وفاة والده، أمه، خيانة الزوجة الصديق، الأستاذ،' نفهم سر جنون سعيد مهران، فجنونه أزمة نفسية ولدها الإنسان الذي خان شعبه وتنكر للمبادئ، وأزمة ولدها الصديق الذي خان الصداقة، وولدتها الزوجة التي نسيت الوفاء...، لذلك لا غرابة أن يعيش سعيد مهران فراغا عاطفيا، وروحانيا، وغربة، وضياعا، وقلقا، وتوترا، وهذه صورة مصغرة لأسر كثيرة تشارك سعيد هذه المعاناة سواء كان تواجدها داخل أم خارج المؤلف.وهي أزمة نفسية ألقت بثقلها على العلاقات العاطفية بين الأفراد، بحيث أصبحت أكثر مأساوية، فعلاقات الحب التي يمثلها في المؤلف حب سعيد لابنته وحب نور لسعيد، تتراجع لتفسح المجال للكراهية والحقد، فتكون النتيجة قتل ومطاردة ورغبة في الانتقام، كما أن علاقة الوفاء التي يجسدها في المؤلف وفاء طرزان و نور لسعيد ، قد تراجعت بدورها لتحل محلها الخيانة بأبعادها الاجتماعية والسياسية. بل حتى العلاقة الروحانية بين الإنسان وربه تأثرت في وسط هذا المجتمع المادي ودليل ذلك علاقة سعيد برباط علي الجنيدي.هكذا يبدو العالم النفسي كئيبا وما يزيد من كآبته حضور تيمات الظلم والكره والخيانة، خيانة وظلم وكره أقرب وأعز الناس إليك أو من كان من المفروض أن يحبوا، وتيمة الحب كذلك لكن بوجه جديد يسبب لصاحبه الأحزان أكثر من الأفراح، حب سعيد لسناء الجريح، وحب نور لسعيد الذي فات زمنه. هكذا يبدو واضحا بأن نجيب محفوظ قد تعمد التركيز على نفسية بطل هذه الرواية لغاية كشف التحولات الصعبة التي يعيشها الإنسان المصري والعربي وتداعياتها على نفسية الفرد خاصة الفقير الكادح.د المنظور الاجتماعي:اشتهر نجيب محفوظ في مجمل رواياته، بتصوير الواقع المصري الاجتماعي تصويرا تظهر من خلاله الصورة الحقيقية للبنية الاجتماعية المصرية، كما تبدو من خلاله معاناة الإنسان المصري الاجتماعية، فما هي طبيعة المجتمع الذي تتحدث عنه رواية اللص والكلاب؟تصور رواية اللص والكلاب واقعيا اجتماعيا متناقضا أفرزته التحولات السياسية في خمسينيات القرن20 تختصره فئتان، فئة الأغنياء التي يمثلها رؤوف علوان والتي تمتلك كل شيء، وفئة الفقراء التي يمثلها سعيد مهران والتي تفتقر لأبسط متطلبات العيش الكريم، وهو تناقض اجتماعي سيؤدي إلى ظهور أمراض اجتماعية خطيرة، كالسرقة التي اعتبرها سعيد مهران وسيلة لإعادة حق الفقراء، فمن السارق ومن المسروق؟، والمتاجرة في المخدرات والذي يمارس ذلك هو المعلم طرزان، ناهيك عن الدعارة التي تمارسها نور، ولا تتوقف تداعيات هذا التناقض في ظهور أمراض اجتماعية فقط، بل في ممارسات أخرى أكتر تعقيدا كالخيانة والنفاق والانتهازية التي ذهب ضحيتها سعيد مهران.هكذا يبدو واضحا أن رواية اللص والكلاب رواية نقدية تنتقد وبشدة الواقع الاجتماعي الذي أفرزته الثورة والذي عمق من معاناة الطبقة الفقيرة وزاد من همومها إلى درجة أن أسرا كثيرة قد تفككت علاقاتها نتيجة الفقر والحاجة، واضطرت إلى بيع شرفها ومبادئها أو النضال من أجل تحققها إلى آخر أنفاس الحياة، فمن يتحمل مسؤولية هذا الواقع الجديد؟ه- منظور البعد الأسلوبي: يتميز أسلوب نجيب محفوظ في رواية اللص والكلاب بالاقتراب من لغة البساطة والوضوح والدقة في الوصف دونما اهتمام بالمحسنات البديعية، مراعاة للغة العصر التي تأثرت بلغة الصحافة والطباعة وبالمثاقفة، كما تقترب من لغة الحياة اليومية من خلال اعتماد لغة حية لها علاقة بالشارع المصري، بهذا يؤسس نجيب محفوظ لتجربة جديدة تمزج بين اللغة العربية الفصحى واللغة العامية في محاولة لصبر أغوار الإنسان العربي وكشف همومه النفسية والاجتماعية، كما تتميز لغة الرواية بتداخل خيوط السرد، الذي يتداخل فيه صوت الكاتب بصوت السارد والشخصية، الشيء الذي يؤكد بأن الكاتب قد سرد الأحداث بالاعتماد على وضعيات سردية متعددة، من أجل الإحاطة بهموم الشخصية من كل جوانبها، كما تتميز اللغة كذلك باعتماد حقول معجمية كثيرة ' حقل الحرية، حقل الموت، حقل الدين، حقل الجسد، حقل السجن، ....' وباعتماد لغة الوصف ' وصف الشخصيات، الأماكن..' واعتماد الحوار بنوعيه الخارجي والداخلي

"اللص والكلاب"

يعتبر "نجيب محفوظ " من أهم الروائيين العرب الذين أرسوا دعائم الرواية العربية تجنيسا وتجريبا وتأصيلا وقد تميز نجيب محفوظ بتعدد أشكاله السردية وتعدد المواضيع والقضايا التي تناولها في إطار رؤى فلسفية مختلفة في تصوير مصر و تشخيص فضاء القاهرة. وبذلك، يكون نجيب محفوظ الناطق المعبر عن مجتمع مصر وتاريخها، ومن أهم الروايات التي أنتجها نجيب محفوظ رواية" اللص والكلاب" التي اتخذت طابعا رمزيا وذهنيا على مستوى المقصدية المرجعية والرسالة الفنية .
رواية "اللص والكلاب "تقوم علي خط الصراع الأساسي بين "اللص والكلاب" أو سعيد مهران والمجتمع. وهذا الخط يلعب دور العمود الفقري الذي يربط فصول الرواية منذ أول سطر إلي آخر سطر فيها، فلا يتكلف نجيب محفوظ مقدمات لتقديم شخصياته ولكنه يدفع بالقارئ فورا إلي الموقف الأساسي في الرواية، ويمكن للقارئ أن يضع يده علي الخيط الأول وبذلك لا يحس بأنه يوجد هناك حاجز بينه وبين العمل الفني .

وتبدأ الوضعية الأولية مع الفصول الأربعة الأولى إذ يسجل الفصل الأول ( 01 ) خروج سعيد مهران من السجن بعد أربع سنوات قضاها فيه، ويتوجه إلى الحي الذي كان يقطنه، ويجتمع سعيد مع عليش بحضور المخبر وبعض الجيران لمناقشة مطالبته بابنته وماله وكتبه.إلا أن عليش ينكر وجود المال ويرفض تسليم البنت بدون محكمة ويعطيه ما تبقى من الكتب. وأمام هذا الوضع المخيب لآماله، يبدأ سعيد مع الفصل الثاني ( 02 ) التخطيط لمرحلة ما بعد السجن حيث توجه إلى طريق الجبل لمقابلة الشيخ صديق والده محاولا إقناعه بقبول ضيافته إلى أن يحقق الانتقام من زوجته الخائنة وعليش الغادر رافضا محاولة الشيخ تنيه عن قرار الانتقام بالتركيز في حواره على القيم الروحية المبنية على الإيمان ،وبعد قضاء سعيد أول ليلته في ضيافة الشيخ علي جنيدي ، يبدأ سعيد مع الفصل الثالث ( 03 ) خطوة تالية يتوجه فيها صوب صديق الطفولة الصحفي رءوف ، حيث انتظره قرب البيت ،بعدما فشل في مقابلته بمقر جريدة "الزهرة"، وتبادلا ذكريات الماضي على مائدة الطعام ،وقد انزعج رءوف من تلميحات سعيد التي تنتقد ما عليه من جاه ومكانة اجتماعية فانتهى اللقاء بتأكيد رءوف على أنه أول وآخر لقاء له مع سعيد ،مما جعل سعيد يستكمل في الفصل الرابع ( 04 ) شريط الخيانة التي تلقاها من أقرب الناس إليه عليش صبيه الذي بلغ عنه الشرطة للتخلص منه والإنفراد بغنيمة الزوجة والمال ،و نبوية الزوجة التي خانته بتواطئ مع صبيه عليش،ثم رءوف الانتهازي الذي زرع فيه مبادئ التمرد وتنكر هو لها. فكان كل ذلك دافعا قويا لاتخاذ قرار الانتقام والبداية برءوف أقرب فرصة مناسبة، إلا أن رءوف كان يتوقع عودته ونصب له كمينا أوقع به ليطرده من البيت خائبا .
وتبدأ سيرورة الحدث مع الفصل الخامس ( 05 ) بتوجه سعيد إلى المقهى حيث يتجمع أصدقاء الأمس،ومده صاحب المقهى "طرزان" بالمسدس الذي طلبه ، وكان الحظ في صفه هذه المرة عندما التقى ب "نور" التي خططت معه للتغرير بأحد رواد الدعارة وسرقة سيارته ،ويصور الفصل السادس ( 06 ) تفاصيل نجاح الخطة التي رسمتها ريم للإيقاع بغريمها وتمكن سعيد من السطو على السيارة والنقود ، ويشرع سعيد مع الفصل السابع ( 07 ) في تنفيذ ما عزم عليه من انتقام وكانت البداية بمنزل عليش الذي اقتحمه ليلا و باغث صاحبه بطلقة نارية أردته قتيلا ،وتعمد التغاضي عن الزوجة لرعاية ابنته سناء، ثم هرب سعيد من مسرح الجريمة بعدما تأكد من نجاح مهمته. إلا أن الفصل الثامن ( 08 ) ينقل لنا المفاجأة ،إذ بعد تنفيذ الجريمة،لجأ سعيد إلى بيت الشيخ رجب فجرا واستسلم لنوم عميق امتد حتى العصر ،فاستيقظ على حلم مزعج يتداخل فيه الواقع بالخيال ،ويصله خبر وقوع جريمة ضحيتها رجل بريء يدعى شعبان حسن،فكان خبر فشل محاولته مخيبا يندر ببداية المتاعب والمصاعب،فهرب سعيد إلى الجبل تفاديا لمطاردة الشرطة .
وهذا الحادث الطارئ أزم وضعية سعيد مما جعله مع الفصل التاسع ( 09 ) يغير خطة عمله بالتوجه إلى نور،وقد استحسن مكان إقامتها المناسب لاختفائه عن أعين الشرطة، ورحبت نور برغبة سعيد في الإقامة عندها مدة طويلة ، وأبان سعيد عبر الفصل العاشر ( 10 ) عن ارتياحه بإقامته الجديدة ،وكان خروج نور وبقائه وحيدا في البيت فرصة لاسترجاع ذكريات تعرفه على نبوية وزواجهما الذي أثمر البنت سناء. ،ثم التوقف عند غدر عليش وخيانة نبوية.ليعود إلى واقعه مع نور التي جاءته بالطعام والجرائد التي لا زالت مهتمة بتفاصيل جريمة سعيد ،مع إسهاب رءوف في تهويل وتضخيم صورة سعيد المجرم الذي تحول إلى سفاك الدماء،فطلب سعيد من نور شراء قماش يناسب بذلة ضابط لإعداد الخطة انتقامية جديدة ،ويعود سعيد مع الفصل الحادي عشر ( 11 ) إلى الذكريات التي تنسيه عزلته في البيت عندما تغيب نور مسترجعا تفاصيل طفولته المتواضعة مع والده البواب،وكيف تأثر بتربية الشيخ علي الجنيدي الروحية،وإعجابه بشهامة رءوف الذي زرع فيه مبادئ التمرد وشجعه على سرقة الأغنياء كحق مشروع ،وتأتي نور لتقطع شريط الذكريات وهي منهكة من ضرب مبرح تلقته من زبنائها،مع محاولة سعيد الرفع من معنوياتها المنهارة والتخفيف من آلامها. ومع الفصل الثاني عشر ( 12 ) يكون سعيد قد أكمل خياطة بذلة الضابط مما زاد تخوف نور من ضياع سعيد مرة أخرى خاصة وأن الصحافة لا زالت منشغلة بجريمته الأولى ،والشرطة تشدد الخناق عليه ،فحذره طرزان من التردد على المقهى التي تخضع لمراقبة المخبرين .
ويبدأ تأزم العقدة مع الفصل الثالث عشر ( 13 ) عندما عاود سعيد زيارة طرزان الذي اخبره بتواجد المعلم بياضة لعقد صفقة،فاعترض سعيد المعلم بياضة لمعرفة مكان عليش ،إلا أنه أخلى سبيله بعد الفشل في جمع معلومات منه تفيد في معرفة مكان عليش وهو الأمر الذي جعله يغير وجهة الانتقام إلى رءوف ليشرع مع الفصل الرابع عشر ( 14 ) في تنفيذ خطته بارتداء بذلة الضايط التنكرية والتوجه نحو بيت رءوف حيث باغته وهو يهم بالخروج من السيارة،ليفر سعيد بعد تبادل إطلاق النار مع عناصر الشرطة،وتعود نور للبيت متخوفة من ضياع سعيد بعد تداول خبر تعرض رءوف لمحاولة اغتيال .وجاء الفصل الخامس عشر ( 15 ) يحمل أخبار إخفاق سعيد في قتل رءوف ،وسقوط البواب ضحية جديدة لخطأ سعيد، فكانت خيبته كبيرة ولم تزده إلا إصرارا على معاودة المحاولة مهما كلفه ذلك من ثمن .
ومع الفصل السادس عشر ( 16 ) تبدأ الوضعية النهائية وتظهر النتيجة من خلال تطورات مفاجئة تسير عكس طموحات سعيد ، أولها غياب نور المفاجئ،و طرزان الذي زوده بالأكل وحذره من المخبرين الذين يتربصون بالمقهى.وتبدأ النهاية في الاقتراب مع الفصل السابع عشر ( 17 ) عندما تأتي صاحبة بيت نور تهدد بالإفراغ فأصبح البيت يشكل خطرا عليه، فقرر الهروب إلى طريق الجبل عند الشيخ علي ، حيث ستكون النهاية مع الفصل الثامن عشر ( 18 ) عندما يستيقظ سعيد من نوم عميق فيجد المنطقة محاصرة بالشرطة ويتحصن بالمقبرة حيث كانت نهايته بعد مقاومة يائسة .

تحــليل ملخـص

من خلال هذه المضامين يتبين أن القوى الفاعلة هي صانعة الحدث ،وأول هذه القوى الشخصيات والبداية كانت مع سعيد مهران بطل الرواية ، ضحية مؤامرة الغدر والخيانة خرج من السجن ليثأر من الكلاب ،بدأ في تنفيذ ما عزم عليه من انتقام وثأر، محتميا مع كل واقعة بنور حتى تهدأ العاصفة ويسترجع أنفاسه،ويتحرك من جديد مع جريمة ثانية ،إلا أن الفشل كان يلاحقه في كل مرة ، فيفقد التركيز والقدرة على التحرك بحرية مما عجل بنهايته .
ويعتبر عليش صبي سعيد بطل المؤامرة، أوقع بسعيد في السجن ليظفر بالمال ونبوية الزوجة الخائنة التي تواطأت مع عليش للتخلص من سعيد.أما رؤوف علوان ، صديق سعيد الذي زرع فيه مبادئ التمرد على المجتمع والطبقية وتنكر لها ولصديقه، تحول إلى عامل معاكس ،حرض الرأي العام وشدد الخناق على سعيد بمقالاته الصحفية المبالغة في تضخيم الحدث، ويصبح عامل موضوع عندما أصبح مستهدفا في عملية الانتقام ليزداد قوة كعامل معاكس أحبط خطة سعيد وأزم وضعيته .
وتتوزع باقي الشخصيات بين شخصيات معارضة كالمخبر الذي لعب دور الوسيط بين سعيد وعليش ويقدم الدعم والحماية القانونية لعليش،و سكان الحارة ويرى فيهم سعيد امتدادا للخيانة والغدر بقبولهم التعايش مع عليش وخاصة المعلم بياضة. أما الشخصيات المساعدة فنجد طرزان صاحب المقهى، يمد سعيد بمساعدات تعينه على متابعة مخططه الانتقامي،و نور امرأة تمتهن الدعارة وتقدم الدعم والعون لسعيد إلى حد المخاطرة بحياتها ،فكانت عاملا مساعدا تمثل الخلاص الآمن لسعيد قبل أن تصبح عاملا معاكسا بغيابها الذي عجل بنهاية سعيد ،كما نجد الشيخ على الجنيدي صديق والد سعيد، ويمثل الجانب الروحي الغائب عن سعيد، فأصبح ملاذا لسعيد كلما ضاقت به السبل ،وهناك شخصيات عارضة وضعتها الصدفة في طريق سعيد ولم تسلم من شره كصاحب السيارة غنيمة عرضية مكن سعيد من انجاز خطته الانتقامية بكل سهولة،و شعبان حسن ثم البواب ضحية تقديرات سعيد الخاطئة ،في حين يبقى رجال الشرطة عاملا معاكسا ضيق الخناق على سعيد إلى حد القضاء عليه .
وكانت المواقع هي المجال الذي تستثمر فيه الشخصيات الحدث والبداية من ميدان القلعة ، الحي الذي كان يقطنه سعيد ، منه دبرت مؤامرة سجنه، وإليه عاد للانتقام،وهو مسرح أول جريمة يقترفها ،ويعتبر طريق الجبل مأوى سعيد يلجأ إليه كلما ضاقت به السبل وعز الأصحاب كما مكنه من التخفي بعيدا عن أعين الشرطة ، و بيت " فيلا " رؤوف علوان يعتبر شاهدا على تبدل القيم وأول نقطة يباشر منها سعيد انتقامه وهو أيضا مسرح الجريمة الثانية الفاشلة،وهناك مواقع مساعدة كالمقهى الذي يمثل السند والحماية الخلفية لسعيد، و بيت نور عامل مساعد أيضا مكن سعيد من الشعور بالأمان، ومتابعة تطورات جريمته عن بعد قبل أن يتحول إلى مصدر تهديد لسعيد عند غياب نور المفاجئ ، وتمثل المقبرة النهاية الحتمية لأخطاء سعيد الطائشة .
من هنا كانت الوقائع كلها تتمركز حول أطوار عملية الانتقام التي باشرها سعيد بعد خروجه من السجن ،حيث تكونت لديه معطيات مقنعة لتبرير عملياته الانتقامية ،والبداية كانت مع صديقه رءوف الذي أحبط محاولته، ليشرع سعيد في مباشرة خطة الانتقام بطريقة عملية ومدروسة،إلا أن الفشل كان حليفه مرة أخرى،ليعاود عملية انتقامية جديدة صوبت نحو رءوف وكانت ناجحة على مستوى الإعداد وفشلت بفعل التسرع والتهور. فضيق سعيد الخناق على نفسه حيث تمت محاصرته من كل الجوانب والقضاء عليه دون أن يظفر بشيء مما كان يخطط له .
ففصول الرواية بكل تجلياتها تضعنا أمام وضع اجتماعي منحرف يجمع بين الجريمة وفساد القيم ،مع ما توفره السلطة من حماية وتغطية تزيد من قوة المفسدين الكبار ، إضافة إلى ما تكشف عنه الدعارة من مآسي إنسانية كارثيه ، و تجارة السلاح التي تغذي عنصر الجريمة وما يتنج عنها من ضحايا أبرياء لا علاقة لهم بالصراع .
وأمام هذا الغليان الاجتماعي لا يمكن إلا أن نجد بعدا نفسيا يطبعه التوتر والتوجس كقاسم مشترك بين كل الشخصيات وإن اختلفت الأسباب والدوافع ،وقد تطور إلى الغضب والحقد والرغبة في الانتقام في سادية واضحة تغمر سعيد وهو يقبل على الانتقام ،أو رءوف وهو يتلذذ بمطاردة سعيد للتخلص منه، لتكون النهاية مثخنة بالإحباط والندم ثم الموت،بعد مشوار طويل من القلق والاضطراب والضياع .
ونجيب محفوظ كان بارعا في نقل فصول وأطوار العملية الانتقامية التي كرس لها سعيد كل جهوده ،حيث أخضع الرواية لبناء محكم يبدأ بالوضعية الأولية،ثم سيرورة الحدث وتطوراته، وانتهاء بالوضعية النهائية التي تضعنا أمام نهاية الحدث والنتيجة التي آل إليها سعيد مهران .
ويستند الكاتب في نقل تفاصيل رواية " اللص والكلاب " إلى الرؤية من الخلف واستعمال ضمير الغائب والسارد المحايد الموضوعي الذي لا يشارك في القصة كما في الرؤية من الداخل، بل يقف محايدا من الأحداث يصف ويسرد الوقائع بكل موضوعية، فهو يملك معرفة مطلقة عن الشخصيات ويعرف كل شيء عن شخصياته المرصودة داخل المتن الروائي خارجيا ونفسيا .
ومن وظائف السارد في الرواية السرد والحكي، وهذه هي الوظيفة الأساسية للسارد، إضافة إلى وظيفة التنسيق بين الشخصيات، ووظيفة الوصف من خلال تشخيص الشخصيات ووصف الأمكنة والأشياء ، ووظيفة النقد التي تتجلى في نقد الواقع وتشخيص عيوبه ومساوئه الكثيرة ولاسيما تفاوته الاجتماعي والطبقي .
وهذا ما جعل الوصف ينصب على الأشخاص والأمكنة والأشياء والوسائل، وله وظائف جمالية ودلالية وتوضيحية تفسيرية. ويقوم الوصف بتمثيل الموجود مسبقا ومحاكاته من أجل الإيهام بوجوده الحقيقي والمرجعي ( الإيهام بالواقعية ). ويهتم الوصف في الرواية الواقعية بتحديد المجال العام الذي يتحرك فيه الأبطال. ويعني هذا أن الوصف يستخدم في تحديد الخطوط العريضة لديكور الرواية، ثم لإيضاح بعض العناصر التي تتميز بشيء من الأهمية .
ومن العناصر التي تم التركيز عليها وصفا وتشخيصا وتجسيدا تصوير الشخصيات فيزيولوجيا واجتماعيا وأخلاقيا ونفسانيا، كوصف سناء التي أثارت أباها سعيد مهران بوجودها الرائع؛ ويصف الكاتب رءوف علوان ساخرا من مبادئه الزائفة وثورته الواهمة التي ذهب ضحيتها كثير من الأبرياء والفقراء ، ووصف عليش سدرة و زوجته نبوية وخليلة سعيد نور في عدة مواضع من الرواية عبر مستويات خارجية واجتماعية وأخلاقية ونفسية تكشف لنا انتهازية عليش وخيانة رءوف علوان ومكر نبوية واستهتار نور، وصفاء الشيخ الجنيدي ونكران سناء لأبيها الخارج من السجن .

وينقل لنا الكاتب أمكنة متناقضة ، البعض منها يوحي بالغنى والثراء كڤيلا رءوف علوان الغاصة بالأشياء الثمينة، والبعض الآخر يوحي بالفقر والفاقة والخصاص كشقة نور .
و يلاحظ أن الكاتب لم يفصل كثيرا في وصف شخصياته وأماكنه وأشيائه ، بل اكتفى بفقرات موجزة ومقاطع موحية.
و يلاحظ أن الزمن السردي في الرواية زمن صاعد خطي ينطلق من حاضر الخروج من السجن إلى مستقبل الاستسلام والموت. بيد أن هذا الزمن ينحرف تارة إلى الماضي لاسترجاعه( فلاش باك )، أو إلى المستقبل من أجل استشرافه. و يزاوج الكاتب على مستوى الإيقاع بين السرعة والبطء،ويتجلى إيقاع السرعة في الحذف والتلخيص، أما إيقاع البطء فيكمن في الوقفة الوصفية والمشاهد الدرامية .
وبهذا، تتخذ الرواية طابعا سينمائيا حركيا ، لأن المتن الروائي كتب بطريقة السيناريو القابل للتشخيص السينمائي والإخراج الفيلمي الدرامي. وفعلا، فقد تم إخراج هذا الفيلم سينمائيا منذ سنوات مضت في مصر؛ نظرا لتوفر الرواية على لقطات بصرية وحركية تستطيع جذب المتفرج .
وعلى مستوى الصياغة الأسلوبية وظف نجيب محفوظ في روايته عدة أساليب سردية لنقل الأحداث والتعبير عن مواقف الشخصيات. ولقد أكثر من السرد ليقترب من الواقع أكثر لمحاكاته وتسجيله وتشخيصه بطريقة تراجيدية. وفي نفس الوقت، يلتجئ إلى الحوار قصد معرفة تصورات الشخصيات وتناقض مواقفها الإيديولوجية. كما التجأ أيضاإلى المنولوج للتعبير عن صراع الشخصيات وتمزقاتها الداخلية ذهنيا ونفسيا.ويحضر أسلوب سردي آخر يسمى بالأسلوب غير المباشر الحر الذي يختلط فيه كلام السارد مع كلام الشخصية وهو كثير بين ثنايا الرواية وعلى الرغم من كل هذه الأساليب، فإن السرد يبقى هو المهيمن على غرار الروايات الواقعية والوجودية، كما استعان الكاتب بالوصف أثناء تقديم الشخصيات والأمكنة والأشياء والوسائل وتحيين المشاهد الدرامية .
وتمتاز لغة نجيب محفوظ بكونها لغة واقعية تصويرية تستند إلى تسجيل المرجع وتمويهه بلغة تتداخل فيها الفصحى والعامية المصرية ليقترب أكثر من خصوبة الواقع العربي المصري. لذالك استعمل الكاتب تعابير العامية المصرية وأساليبها وألفاظها وصيغها المسكوكة. كما استعمل قواميس تدل على حقول دلالية مثل: حقل الأثاث، وحقل الطبيعة، وحقل الدين والتصوف، وحقل الصحافة والإعلام، وحقل السلطة والجريمة، وحقل الوجود و العبث، وحقل القيم، وحقل المجتمع، وحقل السياسة ....
وعلى الرغم من استخدام اللغة الطبيعية الواقعية المباشرة التي تنبني على الخاصية التقريرية الجافة الخالية من كل محسن بلاغي وشاعري، إلا أن الكاتب يوظف في بعض الأحيان تعابير قائمة على المشابهة ( التشبيه والاستعارة )، والمجاورة (المجاز المرسل والكناية)، واستعمال الرموز (اللصوص والكلاب...) لتشخيص الأحداث والمواقف وتجسيدها ذهنيا وجماليا .
وعلى الرغم من كلاسيكية بناء الرواية، فقد استفاد نجيب محفوظ من تقنيات الرواية الجديدة ومن آليات الرواية المنولوجية وتيار الوعي أثناء استعمال الحوار الداخلي والارتداد إلى الخلف واستشراف المستقبل وتوظيف الأسلوب غير المباشر الحر، كما استفاد كثيرا من الرواية الواقعية في تجسيد الواقعية الانتقادية ذات الملامح الاجتماعية والسياسية عبث الحياة وقلق الإنسان في هذا الوجود الذي تنحط فيه القيم الأصيلة وتعلو فيه القيم المنحطة

جاء في رواية" اللص و الكلاب "


=====> اللص و الكلاب " نجيب محفوظ "

-- نص الموضوع جاء في رواية" اللص و الكلاب "

جميع الجرائد سكتت أو كادت إلا جريدة "الزهرة " مازلت تنبش عن الماضي و تستفز البوليس إنها توشك أن تنادي ببطولته سعيا وراء القضاء عليه و لن يهدأ رؤوف علوان حتى يترق عنقه حبل المشنقة او معه القانون و الحديد و النار ، وأنت هل لحياتك التالفة معي إلا أن تقضي على أعدائك "
يتضمن المقطع قوى فاعلة حددها و بين المسار اللذي يخفضها في الرواية و علاقتها و مواقفها
........................................................................

ـ ولم يكتف سعيد مهران، بل جعل من هذه المهنة' ( الخياطة ) وسيلة لتحقيق الانتقام (عن حكمة صنعتها ص96)، وبدأ برؤوف علوان. هذه هي حكمته في الحياة الانتقام من كل من استهان بذكائه أو رجولته، الحكمة في التخفي، والقتل، واستغلال الآخرين، ومطاردة اللصوص، حكمة طائشة مع كل رصاصة قتلت بربيئا، حكمة أيدها كما قال: (كل راقد في القرافة تحت النافذة ص99)، حكمة جعلته مغرورا؛ ليقف في وجه رؤوف علوان وجريدته (الزهرة) التي أدت دورا أساسيا في تحفيز فكرة الاننقام (أنت كالثعبان الكامن وراء حملة الصحف، تود أن تقتلني كما كان الآخرون لكني لن أموت قبل أن أقتلك، ولكي يكون للحياة معنى وللموت معنى يجب أن أقتلك ص99)، وهذا الغرور أيده الحوار التالي: ـ ألا تعرفين من يكون سعيد مهران! الجرائد كلها تتحدث عنه، وأنت لا تؤمنين به ص97 ـ ويتحدث عنك ناس كأنك عنترة ص100 غرور ناتج عن حكمة عقيمة وفكرة انتقامية أكدتها الصحف عندما وصفت سعيد مهران بالجنون (جنون العظمة والدم)، وقالت بعد أن قتل بريئا آخر: (لقد أفقدته خيانة زوجته عقله ص118) وكانت هذه الفكرة على الرغم من رفض الجميع لها هي الحق الذي يسعى إليه ولا يرى غيره، هذا الحق جعله يقول للشيخ علي الجنيدي في نهاية الرواية: (من المؤسف أنني لم أجد عندك طعاما كافيا، كذلك عقلي يتعذر عليه فهمك، ولكني واثق من أنني على حق ص 134)، وهذا الفهم في ظل فكرته لم يستطع خلاله أن يفهم العبرة المقصودة أو المغزى من قول الشيخ في نهاية الرواية (واذكر ربك إذا نسيت ص134)، وتكرار(إن هي إلا فتنتك)، ففي سورة الأعراف المأخوذة منها الآية الكريمة (إن هي إلا فتنتك) فيها تحذير من كيد الشيطان، وتفصيل لقصص الأنبياء ومعاناتهم وصبرهم، وقصة سيدنا آدم مع أبليس وخرجه من الجنة، وهبوطه إِلى الأرض كنموذج للصراع بين الخير والشر، والحق والباطل، أما قوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت) فهي مأخوذة من سورة الكهف التي استعملت أمثلة واقعية ثلاثة لبيان أن الحقَّ لا يرتبط بكثرة المال والسلطان، وإِنما هو مرتبط بالعقيدة، المثل الأول: للغني المزهوّ بماله، والفقير المعتز بعقيدته وإِيمانه، في قصة أصحاب الجنتين، والثاني: للحياة الدنيا وما يلحقها من فناء وزوال، والثالث: مثل التكبر والغرور مصوراً في حادثة امتناع إبليس عن السجود لآدم، وما ناله من الطرد والحرمان، ولكن سعيد مهران كما قال يتعذر عليه الفهم لأنه واثق أنه الحق، وكل من يطاردهم كلاب لا يستحقون العيش، فخسر الدنيا والآخرة جراء فكرة سيطرت على وجوده وكانت سببا في موته .

.___ جرد القوى الفاعلة: ___تتميز هذه الرواية بتعدد شخصياتها، وتتفاوت أهميتها حسب فعلها في تطور الأحداث وتناميها، ومن أهمها:** سعيد مهران: شاب في الثلاثين من العمر، واسم على غير مسمى؛ فهو غير سعيد في حياته على الإطلاق، يمثل أبرز القوى الفاعلة في الرواية، ويحضر في جميع فصولها. ويتداخل صوته في أماكن متعددة بصوت السارد؛ مما يعني أن نجيب محفوظ يجعل رؤية السارد منحازة لمواقف وآراء هذه الشخصية؛ مثال ذلك: " … قمة النجاح أن يقتلا معا نبوية وعليش، وما فوق ذلك يصفى الحساب مع رؤوف علوان، ثم الهرب، الهرب إلى الخارج إن أمكن. ولكن من يبقى لسناء ؟ الشوكة المنغرزة في قلبي" ص:56.يعكس التداخل بين صوت السارد بصوت سعيد مهران التواطؤ بينهما. وتتمثل ملامح شخصيته في:ـ بسيط وفقير، ويؤمن بقيم الاشتراكية التي تعلمها من صديقه رؤوف علوان، ولذلك نجده يسرق الأغنياء ويعطي المحتاجين.ـ تقلبت به الحياة من حي إلى حي، ومن بلدة إلى أخرى، فقد عمل حارسا لبيت الطلبة، ثم بسيرك الزيات، وتزوج من نبوية.ـ متمرد على المجتمع، خاصة بعد خروجه من السجن حين وجد زوجته تزوجت من مساعده عليش واستولت على أمواله وحرمته من ابنته، فاتجه للانتقام لشرفه.ـ يعاني أزمة روحية عميقة، نتيجة تصادم القيم المادية التي آمن بها والواقع الاجتماعي القاهر الذي يعيش فيه. وهي أزمة لم يتمكن الشيخ علي الجنيدي صديق والده أن يخلصه منها.ـ يملك نزعة إنسانية عميقة، تظهر في حواراته مع نور، التي آوته، ولم تتمكن من شغل قلبه إلا في آخر الرواية.ـ لص، لكنه لا يسرق إلا إلذين يعتبرهم طغاة المجتمع، وانتهازيين.** رؤوف علوان: صديق سعيد مهران، واحد من الذين أثروا بقوة في مسار حياته. كان يقيم بعمارة الطلبة التي كان يحرسها والد سعيد مهران، وبعد وفاته تحمل سعيد مهران مع والدته مسؤولية حراستها. يظهر في الرواية شخصية متقلبة الأطوار، فقد كان مؤمنا بالاشتراكية مدافعا عن قيمها، كان شهما على حد تعبير سعيد أثناء تذكراته، وتعرض بسبب ذلك للاعتقال. زرع في سعيد مبادئ الاشتراكية، وبرر له سرقاته. هجر مبادئه وانضم لقائمة اللصوص الأثرياء فقد أصبح صحفيا ناجحا، وتنكر لمن كان ينادي بمساعدتهم.نتعرف على هذه الشخصية من خلال السارد من جهة، وسعيد من جهة أخرى. وعلى الرغم من أهميته في الرواية إلا أن نجيب محفوظ لم يمنحه مساحة نصية ذات أهمية، اللهم اللقاء العابر الذيجمعه بسعيد حين زاره بالفيلا التي يقيم بها بعد خروجه من السجن، حيث اكتشف أنه خائن مثله مثل نبوية وعليش.

اللص و الكلاب " نجيب محفوظ "


=====> اللص و الكلاب " نجيب محفوظ "

مـدخــــــــــــــــل

المنهج الاجتماعي: المنهج الإجتماعي هو منهج نقدي يدرس النصوص من منظور مدى تعبيرها عن الوسط الإجتماعي الذي أنتجها, و بذلك يتعامل مع الظاهرة الأدبية في صلتها بشروط إنتاجها الإجتماعي و ليس بوصفها ظاهرة مستقلة. لذا فعلم اجتماع الأدب يدرس العمل الأدبي باعتباره نتاجا لفعل مجتمعي, ينتجه فاعل اجتماعي هو الأديب, و يتوجه به إلى جماعة ما في سياقات اجتماعية ما, أي أنه يبحث أساسا عن العلاقات التي تربط الإبداع الأدبي بالشروط الإجتماعية المؤطرة له عبر تتبع الخلفيات الإجتماعية المتحكمة في إنتاجه و استهلاكه. و عليه, فالمنهج الإجتماعي يرى أن الأديب لا يعيش معزولا عن بيئته و وسطه الإجتماعي, و أن الإنتاج الأدبي ليس منفصلا عن السياق الإجتماعي الذي يظهر فيه, إذ يعكس العلاقات الإجتماعية للمجتمع و يتبنى موقفا منها.

المنهج البنيوي: المنهج البنيوي هو منهج نقدي ظهر مع بداية القرن 20في مجال الدراسات اللغوية مع رائده "فيرديناند دوسوسير". و هو منهج يتخذ اللغة موضوعا لاشتغاله حيث يدرسها في ذاتها و لذاتها, أي كبنية مغلقة من دون اعتبارات خارجية كظروف نشأتها و علاقتها بالظواهر الإجتماعية و التاريخية. و كان النقد الأدبي أول من تأثر بهذا المنهج و استفاد منه بحكم التقدم الذي أفرزته البنيوية في مجال الدراسات اللغوية التي تلتقي مع الدراسات الأدبية في موضوع اللغة, إذ ركز البنيويون في بحثهم في مجال الأدب على الأنظمة اللغوية و مدلولاتها الأدبية, حيث سعوا إلى تحليل المكونات الداخلية للنص الأدبي تحليلا لغويا, و دراسة العلاقة بين الوحدات و البنى الصغرى داخل النص لتحديد البناء الكلي الذي يجعل موضوع الدراسة أدبا, و ذلك عبر عدة مستويات تهتم بالأصوات, الكلمات, الدلالات و التراكيب.

الملاحــــــــــــــظة و الفــــــــــــــهم

ملاحظة النص: يحيلنا عنوان النص و بعض المشيرات اللفظية [...]على طبيعة النص النقدية و أن موضوعه سوف يستوقفنا عند سمات المنهج الإجتماعي/البنيوي ,فإلى أي حد يمثل النص خصائص و مقومات هذا المنهج؟

فهم النص: النص الذي بين أيدينا عبارة عن مقالة نقدية سيتناول فيها الناقد قضية... (مضمون النص). و قد تناول الكاتب في هذا النص مجموعة من المضامين الفرعية [تقسيم المضامين على حدة...].

التحــــــــــــــــليل

تحليل النص: يسعى الكاتب من خلال نصه " عنوان النص " أن يجيب عن الإشكالية التي فرضت نفسها في مرحلة ... (إشكالية النص العامة) لمقاربة الظاهرة الأدبية. إذ يبين أن المنهج الاجتماعي/ البنيوي قادر على أن يفسر الظاهرة الأدبية بدليل [إشكالية النص، مثلا: مسار القصيدة العربية عبر العصور].

المفاهيم النقدية: من مظاهر المنهج الإجتماعي/ البنيوي تواثر معجم يضم مجموعة من المفاهيم النقدية الإجتماعية/ البنيوية, و يتوزع معجم النص النقدي إلى مجموعة من الحقول الدلالية [الحقل الاجتماعي: الجماعة, المجتمع/ الحقل البنيوي: البنية، اللغة، المعجم، الصوت، الإيقاع، التفعيلة، مكونات القصيدة/ الحقل الأدبي: الشاعر العربي, للسان العربي, الشعر / الحقل التاريخي : الحقب التاريخية]. و عند ملاحظتنا للنص, نسجل حضورا متوازنا و متساويا بين الحقول الدلالية مما يؤكد بالملموس العلاقة الوطيدة بين المنظور الاجتماعي/ البنيوي والنص الأدبي.و قد لعبت هذه المفاهيم النقدية دورا هاما في إغناء الطابع الإجتماعي/ البنيوي و الحجاجي للنص، كما تمثل مؤشرات دالة على توظيف الناقد للمنهج الإجتماعي/ البنيوي.

لغة النص:تتميز لغة المقالةبالنقد الحاد وهي لغة تقريرية واضحة و سهلة تحمل طابعا حجاجيا إقناعيا، نذكر من ذلك [...].

الإطار المرجعي: وردت في النص مرجعيات متعددة أهمها الماركسية, اجتماعية, أدبية نفسية, بنيوية, تاريخية, فلسفية... مثلا: المرجعية الماركسية تعرف من خلال الحديث عن البنية الذهنية والفكرية/ و البنيوية عندما يتناول الكاتب مكونات القصيدة العربية مثال العمود الشعري و العرض و التفعيلة/ ... 

أسلوب و طريقة عرض النص: اعتمد الناقد في نقل الأفكار أسلوب [الإستنباط (من العام الى الخاص) أو الإستقراء (من الخاص إلى العام)] ، ثم توظيف لغة تقريرية ذات الطابع الحجاجي: التعريف/ العرض/ الشرح و التفسير/ المقارنة/ الاقناع/ ...

الإتساق: هو التماسك الحاصل بين المفردات و الجمل المشكلة للنص. و بالعودة إلى جمل النص نجدها تخضع لعملية بناء منظمة و مترابطة تركيبيا و دلاليا و معجميا. و قد تحقق هذا الإتساق بواسطة مجموعة من الأدوات النحوية و الدلالية و المعجمية. فهناك:
- الإتساق التركيبي:تحقق عبر الوسائل اللغوية كالوصل بين الجمل إما بالعطف [و/ أو/ فـ/ثم]، بالموصولية [الذي/ التي/ الذين]، بالتعليل [لأن/ لذا]، التفسير [أي/ يعني] أو الإستدراك [بل/ لكن]، الشرط [إذا كان.. فإن]، التوكيد [إن/ لقد]، النفي [ليس]. 
- الإتساقالدلالي:تحقق عبر الإحالة، حيث وظف الناقد الضمائر [الهاء/ هو/ هم] و هي تحيل على ما سبق أي إحالة قبلية، و أسماء الإشارة [هذا/ هذه/ هنا] و هذه الأسماء منها ما أحال على ما سبق [مثلا: و في عملية التفسير هذه] ، و منها ما أحال على لاحق [مثلا: يوجه أنصار هذا الإتجاه] أي إحالة بعدية. كما تحيل الضمائر و أسماء الإشارة على عنصر موجود داخل النص [عملية التفسير هذه] أي إحالة نصية مقالية، و قد تحيل على عنصر خارج النص [يوجه أنصار هذا الإتجاه] أي إحالة مقامية.
- الإتساقالمعجمي:تحقق عبر التكرار و التضام، حيث تكررت مجموعة من الكلمات بعينها [الصعود/ الصعود] أو بمرادفاتها [الصعود/ التسلق] أو بعنى عام [الصعود/ العمل] أو بمعنى أعم و أشمل [الصعود/ الشيء] . كما نجد التضام تحقق عبر توارد زوج من الكلمات يرتبط بعلاقات معجمية كالطباق [الولد ≠ البنت]، الجزئية [إصبع/ يد]، الكلية [بستان/ زهرة]، الترتيب العددي [واحد / اثنان] ثم الترتيب الإداري [المدير/ الناظر].

الإنسجام: هو مجموع الآليات و العمليات الظاهرة و الخفية التي تجعل قارئ خطاب ما قادرا على فهمه و تأويله. و بالعودة إلى النص نجده ينسجم و تترابط فقراته مفهوميا و منطقيا بالعنوان و القضية الأدبية النقدية، فليست هناك مواضيع متنافرة في النص و إنما جميع الأفكار مرتبطة بالقضية المركزية. و قد تحقق الإنسجام عبر عدة مستويات، على رأسها: 
- مبدأ السياق: فعند قرائتنا للنص عرفنا أنه نص نثري نقدي و يركز على قضية نقدية محددة و هي [...] و هذا ما قربنا من النص و جعلنا ننسجم معه.
- مبدأ التأويل المحلي: و يتجلى من خلال قدرتنا على تأويل ما جاء في النص من مفردات تجمع بينها علاقات جعلتها منسجمة مع بعضها و مع القارء.
- مبدأ التشابه: تم عبر تشابه النص مع نصوص نقدية أخرى تهتم بالجانب الإجتماعي أو البنيوي.
- مبدأ التغريض: حيث نجد النص يتمحور حول ثيمة مركزية تتكرر عبر النص و هي [...] التي تصب فيها كل القضايا الجزئية المطروحة.

و قد ساهمت في تحقيق هذه المبدائ عمليات أساسية ساهمت بدورها في تحقيق الإنسجام، هي:
- الخلفية المعرفية: تمكننا من ربط معارفنا السابقة و القبلية بمعارف النص ثم تنظيم أفكاره من العام إلى الخاص أو العكس حسب الأهمية، فالنص دراسة أدبية نقدية تهتم بـ [...].
- الخلفية التنظيمية: تكمن في استحضارنا لتمثلات حول النص مرتبة بانتظام كتحديد مجال النص و جنسه و نمطه و طرائق استدلاله و خلفيته النظرية، مما يساعدنا على فهم النص و الإنسجام مع معطياته. 

الحجاج: هو نشاط إقناعي و استدلالي على شكل خطاب، يوظف تقنيات لغوية و تنظيمية تسعى للتأثير في المتلقي. و لتدعيم هذا النص، وظف الناقد مجموعة من الأساليب و الإجراءات في عملية الإقناع منها: 
- مشيرات التلفظ: و تمثلها العناصر النحوية و المعجمية التي تستجيب لخصوصيات العملية الحجاجية، منها [الضمائر/ حروف الشرط/ التوكيد/ النفي/ التفسير/ الإستدراك/ المجاز/ التشبيه/ الإستعارة/ الطباق و المقابلة/ أساليب الإنشاء: الأمر، النهي، الإستفهام و التعجب].
- مشيرات التنظيم: تتعلق بمستوى الخطاب و المهارات الإستدلالية المنطقية، تمثلها [الروابط المنطقية بين أجزاء الكلام، طرق التعليل و ترتيب الحجج و إيراد الشواهد و الأدلة و بناء المقدمات و استخلاص النتائج...].
و هذه الأساليب كلها تسعى إلى إقناع المتلقي بقدرة المنهج الاجتماعي/ البنيوي على تفسير الظاهرة الأدبية.

التركــــــــــــــــيب

بعد كل هذه الاشواط من التحليل، نجد أن هذه المقالة النقدية الأدبية تحمل طابعا نقديا، حيث وظف فيها الناقد المنهج (الإجتماعي / البنيوي) و اتبع اسلوب {الإستقراء / الإستنباط}، إضافة إلى تعزيز المقالة بالأساليب و الآليات الحجاجية المتنوعة و السالفة الذكر, ثم اتساقها و انسجام أفكارها، و ذلك ما منحها طابع الجمالية. و عليه، يمكن القول أن هذه المقالة مثلت الاتجاه النقدي خير تمثيل، منضافة بذلك إلى إبداعات و كتابات الناقد

اللص و الكلاب

الفصل الأول:

-خروج سعيد مهران من السجن بعد أربع سنواتقضاها فيه،توجه سعيد مهران إلى الحي الذي كان يقطنه.
قضاها فيه،توجه سعيد مهران إلى الحي الذي كان يقطنه.
-اجتماع سعيد بعليش وبحضور المخبر وبعض الجيرانلمناقشة مطالبته بابنته وماله وكتبه.
لمناقشة مطالبته بابنته وماله وكتبه.
-عليش ينكر وجود المال ويرفض تسليم البنتبدون محكمة ويعطيه ما تبقى من الكتب.
بدون محكمة ويعطيه ما تبقى من الكتب.

الفصل الثاني:

- توجه سعيد مهران نحو طريق الجبل حيث الشيخ صديقوالده،محاولته إقناع الشيخ بقبول ضيافته.
والده،محاولته إقناع الشيخ بقبول ضيافته.
-محاولة الشيخ التركيز في حواره على القيم الروحيةالمبنية على الإيمان ،وتشبث سعيد بقرار الانتقام من زوجته الخائنة وعليشالغادر .
المبنية على الإيمان ،وتشبث سعيد بقرار الانتقام من زوجته الخائنة وعليشالغادر .
-قضاء سعيد أول ليلته في ضيافة الشيخ علي جنيدي.

الفصل الثالث:

-توجه سعيد إلى مقر جريدة "الزهرة"وفشله في لقاء صديق الطفولة الصحفي رؤوف.
وفشله في لقاء صديق الطفولة الصحفي رؤوف.
- توجه سعيد إلى مسكن رؤوف حيث تم اللقاء وتبادلذكريات الماضي على مائدة الطعام.
ذكريات الماضي على مائدة الطعام.
-انزعاج رؤوف من تلميحات سعيد التي تنتقد ما عليهمن جاه ومكانة اجتماعية ،و انتهاء اللقاء بتأكيد رؤوف على أنه أول وآخر لقاء بينهما.
من جاه ومكانة اجتماعية ،و انتهاء اللقاء بتأكيد رؤوف على أنه أول وآخر لقاء بينهما.

الفصل الرابع:

-استرجاع سعيد شريط الخيانة التي تلقاها من أقربالناس إليه:
الناس إليه:
×عليش: صبيه
الذي بلغ عنه الشرطة للتخلص منه والانفراد بغنيمة الزوجة والمال .
×نبوية: الزوجة
التي خانته بتواطؤ مع صبيه عليش.
×رؤوف:
الانتهازي الذي زرع فيه مبادئ التمرد وتنكر هو لها.
-اتخاذ سعيد قرار الانتقام والبداية برؤوفكأقرب فرصة مناسبة.
كأقرب فرصة مناسبة.
-سطوه على بيت رؤوفالذي كان يتوقع عودته ونصب له كمينا أوقع به ليطرده من البيت
الذي كان يتوقع عودته ونصب له كمينا أوقع به ليطرده من البيت خائبا.

الفصل
الخامس:

يتوجه
سعيد إلى المقهى حيث يتجمع أصدقاء الأمس،وهناك يحصل من صاحب المقهى "طرزانعلى
المسدس الذي طلبه ،وكان الحظ في صفه هذه المرة عندما التقى ب "نور" التي
خططت معه للتغرير بأحد رواد الدعارة وسرقة سيارته .

الفصل
السادس :

يصورتفاصيل
نجاح الخطة التي رسمتها نور للإيقاع بغريمها وتمكن سعيد من السطو على السيارة
والنقود

الفصل
السابع :

يشرع
سعيدفي تنفيذ ما عزم عليه من انتقام وكانت البداية بمنزل عليش الذي اقتحمه ليلا و
باغث صاحبه بطلقة نارية أردته قتيلا ،وتعمد التغاضي عن الزوجة لرعاية ابنته
سناء،ثم هروب سعيد من مسرح الجريمة بعدما تأكد من نجاح مهمته.

الفصل
الثامن:

ينقل
لنا المفاجأة ،إذ بعد تنفيذ الجريمة،لجأ سعيد إلى بيت الشيخ الجنيدي فجرا واستسلم
لنوم عميق امتد حتى العصر فاستيقظ على حلم مزعج يتداخل فيه الواقع بالخيال ،ويصله
خبر وقوع جريمة ضحيتها رجل بريء يدعى شعبان حسين،فكان خبر فشل محاولته مخيبا للآمال
ينذر ببداية المتاعب والمصاعب،فهرب سعيد إلى الجبل تفاديا لمطاردة الشرطة.

الفصل
التاسع:

الحادث
الطارئ المتمثل في قتل شعبان حسين أزم وضعية سعيد مما جعله يغير خطة عمله بالتوجه
إلى نور،وقد استحسن مكان إقامتها المناسب لاختفائه عن أعين الشرطة، ورحبت نور
برغبة سعيد في الإقامة عندها مدة طويلة .

الفصل
العاشر:

أبان
سعيد عبرعن ارتياحه بإقامته الجديدة ،وكان خروج نور وبقاؤه وحيدا في البيت فرصة
لاسترجاع ذكريات تعرفه على نبوية وزواجهما الذي أثمر البنت سناء. ،ثم التوقف عند
غدر عليش وخيانة نبويةليعود إلى واقعه مع نور التي جاءته بالطعام والجرائد التي لا
زالت مهتمة بتفاصيل جريمة سعيد ،مع إسهاب رءوف في تهويل وتضخيم صورة سعيد المجرم
الذي تحول إلى سفاك دماء،فطلب سعيد من نور شراء قماش يناسب بذلة ضابط لإعداد خطة
انتقامية جديدة .

الفصل
الحادي عشر:

يعود
سعيد إلى الذكريات التي تنسيه عزلته في البيت عندما تغيب نور مسترجعا تفاصيل طفولته
المتواضعة مع والده البواب،وكيف تأثر بتربية الشيخ علي
الجنيدي الروحية،وإعجابه بشهامة رؤوف الذي زرع فيه مبادئ التمرد وشجعه على سرقة
الأغنياء كحق مشروع ،وتأتي نور لتقطع شريط الذكريات وهي منهكة من ضرب مبرح تلقته
من أحد زبنائها، فيحاول سعيد الرفع من معنوياتها المنهارة والتخفيف من آلامها.

الفصل
الثاني عشر:

يكمل
سعيد خياطة بذلة الضابط مما زاد تخوف نور من ضياع سعيد مرة أخرى خاصة وأن الصحافة
لا زالت منشغلة بجريمته الأولى ،والشرطة تشدد الخناق عليه ،فحذره طرزان من التردد
على المقهى التي تخضع لمراقبة المخبرين.
الفصل

الثالث عشر:

ويبدأ
تأزم العقدة عندما عاود سعيد زيارة طرزان الذي أخبره بتواجد المعلم بياضة لعقد
صفقة،فاعترض سعيد المعلم بياضة لمعرفة مكان عليش ،إلا أنه أخلى سبيله بعد الفشل في
جمع معلومات منه تفيد في معرفة مكان عليش وهو الأمر الذي جعله يغير وجهة الانتقام
إلى رؤوف علوان .
الفصل

الرابع عشر:

يشرع
في تنفيذ خطته بارتداء بذلة الضابط التنكرية والتوجه نحو بيت رؤوف حيث باغثه وهو
يهم بالخروج من السيارة،ليفر سعيد بعد تبادل إطلاق النار مع عناصر الشرطة،وتعود
نور للبيت متخوفة من ضياع سعيد بعد تداول خبر تعرض رؤوف لمحاولة اغتيال .
الفصل

الخامس عشر:

إخفاق
سعيد في قتل رؤوف ،وسقوط البواب ضحية جديدة لخطأ سعيد، فكانت خيبته كبيرة ولم تزده
إلا إصرارا على معاودة المحاولة مهما كلفه ذلك من ثمن
.
الفصل

السادس عشر:

تبدأ
الوضعية النهائية وتظهر النتيجة من خلال تطورات مفاجئة تسير عكس طموحات سعيد ،
أولها غياب نور المفاجئ، وثانيها طرزان الذي زوده بالأكل وحذره من المخبرين الذين
يتربصون بالمقهى.
الفصل

السابع عشر:

يشرع
عندما تأتي صاحبة بيت نور مهددةبالإفراغ ،فأصبح البيت يشكل خطرا عليه، مما دفعه
إلى الهروب إلى طريق الجبل عند الشيخ علي ، حيث ستكون النهاية قريبة.
الفصل

الثامن عشر:

يستيقظ
سعيد من نوم عميق فيجد المنطقة محاصرة بالشرطة ويتحصن بالمقبرة حيث كانت نهايته
بعد مقاومة يائسة

قراءة في رواية "اللص والكلاب"

قراءة في رواية "اللص والكلاب" وفق المنظورات الستة أنجزها الأستاذ اليقين عمر

1 ـ تتبع الحدث: تحكي رواية اللص والكلاب معاناة مثقف بسيط اسمه "سعيد مهران"، سجن بسبب سرقة صغيرة، وعندما خرج من السجن يوم عيد الثورة وجد زوجته نبوية قد تزوجت مساعده "عليش" بعد أن تطلقت منه بحكم من المحكمة محتجة بسجنه، وأخذت معها ابنتهما الصغيرة سناء. أما صديقه "رؤوف علوان" الطالب المتمرد الذي علمهمبادئ الاشتراكية وغرس فيه مقاومة الظلم والفساد، ومناصرة قيم المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية، فقد تغيرت مواقفه كلية، وهجر قناعاته، وأصبح وصوليا وانتهازيا، فقد أصبح صحفيا ناجحا له جريدة تنطق بهذه القيم الجديدة.
خرج سعيد مهران من السجن فوجد العالم مظلما أمامه، أشعره بالوحدة والعزلة والظلم، فقرر الانتقام لشرفه، وقتل أولئك الذين خانوه ومنهم زوجته نبوية وعليش. ولم يجد في العالم من يصغي لهمومه وعذابه، غير "نور" المرأة الساقطة المدمنة على الخمر، وارتياد الأماكن الليلية، فقد آوته في شقتها، ومنحته قدرا من الاطمئنان والحب في لحظة لم يجد أحدا يمنحه إياها. وكذلك طرزان صاحب المقهى الشعبي الذي كان يرتاده "سعيد مهران" قبل دخوله إلى السجن، فقد أهداه مسدسا، ليقتل الخونة، ثم يبدأ "سعيد" في الانتقام لنفسه، لكنه يفشل في ذلك، فيلجأ إلى صديقه "رؤوف علوان" باحثا عن المساعدة، فنصحه بأن يبدأ حياة جديدة، هكذا يشعر "سعيد مهران" بالخيانة مرة أخرى من صديقه الذي علمه مبادئ الاشتراكية، وبرر سرقاته السابقة. ثم يلجأ إلى صديق والده الشيخ علي الجنيدي، ويبدأ البطل من جديد في الانتقام من أعدائه، وهاجم ليلا الشقة التي تقيم بها نبوية وعليش، لتنتهي محاولته بموت رجل بريء هو "شعبان حسين" العامل بمحل الخرداوات بشارع محمد علي. وبدأت الشرطة تطارده، وكذلك الصحافة خاصة جريدة "الزهرة" التي يديرها "رؤوف علوان" مؤلبا عليه الحكومة والرأي العام، فلجأ إلى شقة "نور" للإقامة فيها، والاحتماء بين جدرانها، واضطر ذات يوم للخروج من الشقة بحثا عن الطعام يجد نفس لكن الشرطة حاصرته وقتلته بالمقبرة.
الحبكة وقوة التأثير:
يعتبر "سعيد مهران" الشخصية الرئيسية التي تشغل حيزا كبيرا في الرواية، ومن ثم فحبكته تبدو بارزة، ومن خلالها تتمظهر مسارات الرواية ودلالاتها الكبرى. يضيء هذه الحبكة الصراع بين البطل والخونة، سعيد مهران الذي يشعر بالظلم والخيانة، ويرى الحياة فارغة من المعنى ما لم يثأر لنفسه وقتل الخونة: نبوية، وعليش، ورؤوف علوان الذين يتصورون سعيد مهران مجرما غير منضبط للقانون، يقلق راحتهم، لذا ينبغي تقديمه للعدالة، ويتواطأ معهم في هذه النظرة القانون. إن نجيب محفوظ يركز على شخصية "سعيد مهران" ويترك أعداءه في الظل خاصة نبوية وعليش، دون أن يمنحهما حيزا يؤثر في دينامية السرد، وهو بذلك يفسح المجال واسعا أمام رؤية العالم التي يعبر عنها "سعيد" وتؤمن بها شريحة اجتماعية واسعة تمثلها المرأة "نور" وصاحب المقهى "طرزان"، لكن لا صوت لهذه الشريحة الاجتماعية أمام الطغيان والانتهازية، ولكي يبرز نجيب محفوظ هذه الدلالة على نحو أفضل جعل نهاية البطل تتحقق في فضاء المقبرة، مجسدا بذلك عالما ميتا، يفتقر إلى الرحمة، ويشبه الموت في سكونيته.
رهانات الكاتب: يراهن نجيب محفوظ على قضية يسعى إلى إبلاغها للقارئ تتحدد في الفقر والطغيان، وما ينجم عنهما من هضم لحقوق الناس. كما أن الرواية ترصد التحولات التي عرفها المجتمع المصري بعد الثورة، وتنكر المثقفين لقيمها، لذلك ليس غريبا أن نجد "سعيد مهران" يعتبر نفسه ممثلا للفقراء والمساكين الذين خدعوا من قبل الذين يدعون مساعدتهم، لذلك نجد البطل يشعر بالخيبة وتنتابه أزمة نفسية وروحية عميقة جعلته غريبا عن الواقع، جعلت منه بطلا إشكاليا يسعى لتحقيق قيم نبيلة في مجتمع فاسد، وإذا كانت "نور" المرأة التي أحبها نجحت بما تمتلكه من نبل ونزوع إلى الخير في تبديد مخاوفه، فإنها لم تتمكن من إثنائه عن الانتقام.
وثمة رهان آخر جمالي يسعى من خلاله نجيب محفوظ أن يبرز مدى الغنى الذي تتميز به تجربته الروائية، خاصة وأنه يجرب مسلكا جديدا هو الواقعية النقدية، التي لا تهتم بوصف الواقع، ولكن تتجه إلى نقده بهدف تغييره. وتستفيد واقعية نجيب محفوظ في رواية اللص والكلاب من تقنيات السرد الحديث التي وظفها بمهارة في هذا النص، سواه من خلال تنويعه في الأساليب، أو تقطيعه للعملية السردية (فصول الرواية)، أو فسح المجال أمام تداعي الشخصية أو ما يعرف في النقد بـ "تيار الوعي" حيث العالم يرى من داخل ذات الشخصية (الحوار الداخلي) وانطلاقا من احتكاك وعيها به.
دلالات وأبعاد الحدث:
تتمحور أحداث الرواية في مجملها حول معاناة شاب مصري مثقف ينحدر من أسرة فقيرة، وصراعه ضد مجموعة من الخونة واللصوص وعديمي القيم، وهي بذلك تعكس فلسفة الغضب التي سادت فئات واسعة من المجتمع العربي بسبب عدم ثقتها في تقدمية التاريخ، نتيجة الانكسارات التي تعرضت لها من لدن دعاة الاشتراكية والتقدم والمساواة، وبهذا فالرواية تجادل الخطابات الوردية، كاشفة من خلال ما تعرض له بطلها عن زيف ادعاءاتها. وبذلك تكون الرواية قد انتقدت التحولات الاجتماعية في مصر بعد الثورة، وما نتج عنها من إحساس بالغربة والوحدة في مجتمع لا يشاطر الفرد القيم ذاتها، ونجد الشخصية تواجه مصيرها وكأنها لا تبدي اهتماما بالرقابة التي تحاصرها. إذن فالخديعة هي الرائجة في مجتمع ما بعد الثورة وشعاره التخلي: تخلي "نبوية" و" رؤوف" على سعيد مهران، و:التخلي" أيضا فعل مورس ضد المجتمع الواسع رغبة في الخلاص والنجاح والرفاهية.
2 ـ القوى الفاعلة:
أ ـ جرد القوى الفاعلة:تتميز هذه الرواية بتعدد شخصياتها، وتتفاوت أهميتها حسب فعلها في تطور الأحداث وتناميها، ومن أهمها:
** سعيد مهران: شاب في الثلاثين من العمر، واسم على غير مسمى؛ فهو غير سعيد في حياته على الإطلاق، يمثل أبرز القوى الفاعلة في الرواية، ويحضر في جميع فصولها. ويتداخل صوته في أماكن متعددة بصوت السارد؛ مما يعني أن نجيب محفوظ يجعل رؤية السارد منحازة لمواقف وآراء هذه الشخصية؛ مثال ذلك: " … قمة النجاح أن يقتلا معا نبوية وعليش، وما فوق ذلك يصفى الحساب مع رؤوف علوان، ثم الهرب، الهرب إلى الخارج إن أمكن. ولكن من يبقى لسناء ؟ الشوكة المنغرزة في قلبي" ص:56.
يعكس التداخل بين صوت السارد بصوت سعيد مهران التواطؤ بينهما. وتتمثل ملامح شخصيته في:
ـ بسيط وفقير، ويؤمن بقيم الاشتراكية التي تعلمها من صديقه رؤوف علوان، ولذلك نجده يسرق الأغنياء ويعطي المحتاجين.
ـ تقلبت به الحياة من حي إلى حي، ومن بلدة إلى أخرى، فقد عمل حارسا لبيت الطلبة، ثم بسيرك الزيات، وتزوج من نبوية.
ـ متمرد على المجتمع، خاصة بعد خروجه من السجن حين وجد زوجته تزوجت من مساعده عليش واستولت على أمواله وحرمته من ابنته، فاتجه للانتقام لشرفه.
ـ يعاني أزمة روحية عميقة، نتيجة تصادم القيم المادية التي آمن بها والواقع الاجتماعي القاهر الذي يعيش فيه. وهي أزمة لم يتمكن الشيخ علي الجنيدي صديق والده أن يخلصه منها.
ـ يملك نزعة إنسانية عميقة، تظهر في حواراته مع نور، التي آوته، ولم تتمكن من شغل قلبه إلا في آخر الرواية.
ـ لص، لكنه لا يسرق إلا إلذين يعتبرهم طغاة المجتمع، وانتهازيين.
** رؤوف علوان: صديق سعيد مهران، واحد من الذين أثروا بقوة في مسار حياته. كان يقيم بعمارة الطلبة التي كان يحرسها والد سعيد مهران، وبعد وفاته تحمل سعيد مهران مع والدته مسؤولية حراستها. يظهر في الرواية شخصية متقلبة الأطوار، فقد كان مؤمنا بالاشتراكية مدافعا عن قيمها، كان شهما على حد تعبير سعيد أثناء تذكراته، وتعرض بسبب ذلك للاعتقال. زرع في سعيد مبادئ الاشتراكية، وبرر له سرقاته. هجر مبادئه وانضم لقائمة اللصوص الأثرياء فقد أصبح صحفيا ناجحا، وتنكر لمن كان ينادي بمساعدتهم.
نتعرف على هذه الشخصية من خلال السارد من جهة، وسعيد من جهة أخرى. وعلى الرغم من أهميته في الرواية إلا أن نجيب محفوظ لم يمنحه مساحة نصية ذات أهمية، اللهم اللقاء العابر الذي
جمعه بسعيد حين زاره بالفيلا التي يقيم بها بعد خروجه من السجن، حيث اكتشف أنه خائن مثله مثل نبوية وعليش.
**ـ نبوية : المرأة التي أحبها سعيد، وتزوج منها، لكنها خانته عندما دخل إلى السجن فتزوجت من مساعده عليش. يتيمة كانت تعمل خادمة عند امرأة تركية ارستقراطية عجوز تقيم بمفردها في بيت. تعرف عليها حين كان حارسا لعمارة الطلبة، وكانت تأتي إلى البقال المجاور لها. تزوج منها في ظروف صعبة وكافح من أجلها، أنجب منها ابنتهما سناء. تملك جمالا فلاحيا لذيذا وهي الصورة التي يتذكرها لها في الفصل العاشر.
**ـ عليش سدرة: رجل فقير، كان مساعدا لسعيد الذي كان يكرمه، ويثق به ثقة عمياء. كان يقول لو قدر له أن يرسل نبوية مع عليش إلى الصحراء لما ساوره أدنى شك فيه. لكنه شعر بالخيبة والخيانة لما علم أنه تزوج نبوية واستولى على أمواله وابنته. لا يرى عليش أي مساس بكرامة صديقه فيما فعله، بل يعتبره واجبا ومروءة؛ قال:" لم أرتكب جريمة ولكنها القسمة والنصيب، والواجب أيضا، واجب المروءة دفعني إلى ما فعلت، ومن أجل البنت الصغيرة أيضا" ص: 12.
** ـ نور: امرأة ساقطة ترتاد الفضاءات الليلية، لكنها الوحيدة التي بددت ظلمة سعيد في الواقع الأسود. تملك قيما نبيلة يعبر عنها اسمها نور. هي ما تبقى لسعيد في العالم الذي يشعر فيه بالاغتراب والمطاردة. تعرف عليها أول مرة بمقهى طرزان، وكانت مغرمة به، لكنه تزوج من نبوية، والتقى بها مرة أخرى بالمقهى نفسه بعد خروجه من السجن، فقد آوته ووفرت له قدرا من الأمان، كانت وحيدة، تقطن ببيت بشارع "نجم الدين" يقع خلف المقبرة، وصفها سعيد بأنها ذات قلب رقيق، مفعم بالحرارة.
** ـ الشيخ علي الجنيدي: هو نموذج المتصوف المنسحب من الحياة والمنكفئ على أوراده وأذكاره، بعيدا عن المجتمع وأحواله والناس ومشاكلهم. هو صديق والد سعيد. يؤدي دورا مهما في الرواية لأنه يسلط مزيدا من الضوء على الأزمة النفسية لسعيد. تتجلى من خلاله المسافة بين تصورين للعالم: أحدهما روحي يسلم بالمشيئة الإلهية وقدرتها على التحكم في مصائر العباد. والثاني: مادي يرى الإصلاح في التمرد والغضب وعدم القبول بالأمر الواقع. وهذا الاختلاف في التصور هو الذي يفسر عدم قدرة سعيد على فهم الشيخ أثناء اللقاءات التي جمعتهما معا. لكن الشيخ يبدو بصيرا بأزمة سعيد ومدركا لأبعادها الروحية العميقة، ويدعوه إلى أن يتوضأ، ويلفت باله إلى المخاطر المحيطة به.
** ـ طرزان: شخصية ذات أهمية في تنامي الأحداث وتطورها، يحب سعيد، ويوفر له معلومات عن أعدائه، ويطعمه في لحظات الشدة، وأهداه مسدسا يصفي به حساباته مع الخونة.
ب ـ البنية العاملية:
تنتظم هذه الشخصيات إضافة إلى قوى فاعلة أخرى مجردة: (الحب، الخيانة، الصدق، الشرف) في بنية عاملية واحدة داخل الرواية. وتحدد هذه البنية الدور المنوط بكل فاعل في الصراع الذي يجري داخل الرواية، كما يلي:
ـ العامل الذات: ويمثله سعيد مهران.
ـ العامل المرسل: يتبين من خلال قراءتنا للرواية أن العامل المرسل يتمثل في الدافع الذي جعل سعيد يعيش هذه الوضعية المتأزمة. ويتمثل في الانتقام لشرفه من الذين خانوه واستولوا على أمواله وابنته، وكذلك الذين خانوا مبادئ الاشتراكية وقيمها، وخانوا نضال الجماهير الذي دعم الثورة. فهو يرى أن العالم سيظل بءيسا ما لم يطهر من هؤلاء الأشرار، ويقتلعوا من جذورهم.
ـ العامل المرسل إليه: يتمثل في المجتمع المصري خاصة، والمجتمع العربي عامة.
ـ العامل الموضوع: ويتمثل في الرغبة في الانتقام للشرف من الخونة. كما يتمثل في استعادة سعيد لابنته سناء.
ـ العامل المساعد: وندرج فيه إصراره الشديد على الانتقام، ونور التي آوته وآمنت بقضيته، وطرزان الذي يمده بمعلومات عن أعدائه ويطعمه، وأعطاه مسدسا. وكذلك الشيخ علي الجنيدي المتصوف الذي أدرك أزمته الروحية. ولاختلال التوازن بين مهران وأعدائه فإن التوجه الغالب في الرواية هو هزيمة القيم الإيجابية، عندما حوصر في المقبرة.
ـ العامل المعاكس: تتمثل العوامل المعيقة في تغير القيم الاجتماعية التي تربى عليها سعيد وتشربها من دعاة الاشتراكية والتقدمية ومنهم رؤوف علوان، الذي تنكر لها وبدأ حياة جديدة مليئة بالبذخ والثراء، وجريدة الزهرة التي تؤلب عليه الحكومة والرأي العام بما تنشره عنه من أكاذيب. وكذلك تواطؤ الحكومة والقانون مع الأغنياء ضد الفقراء.
ج ـ الخطاطة العاملية:
العامل المرسل العامل الموضوع العامل المرسل إليه
ـ الإحساس بالخيانة ـ الرغبة في الانتقام للشرف من الخونة ـ المجتمع المصري
ـ الانتقام للشرف من الخونة ـ استعادة سعيد لابنته سناء والمجتمع العربي عامة.
العامل المساعد العامل الذات العامل المعاكس
ـ الإصرار على الانتقام سعيد مهران ـ اختلال القيم الاجتماعية
ـ نور ـ رؤوف علوان
ـ طرزان ـ جريدة الزهرة.
ـ الشيخ علي الجنيدي ـ الحكومة والقانون.
د ـ استنتاج:
إن الصراع المحتدم في الرواية بين سعيد مهران (اللص) وزوجته نبوية وعليش ورؤوف علوان (الكلاب) هو الذي وفر للرواية بناء دراميا، تتراءى آثار هذا الصراع في إحالاته إلى الفساد الاجتماعي والسياسي، وكذلك فيما يخلفه في نفسية القارئ من تعاطف مع سعيد مهران في محنته التي يعيشها. وتعكس شخصيات الرواية التراتبية الاجتماعية، واللامساواة، وما ينجم عن ذلك من اختلالات أخلاقية كبيرة، وفي هذا الجانب تظهر الرسالة التربوية التي يسعى نجيب محفوظ إلى إبلاغها إلى القارئ وهي الإيمان بالمبادئ والقيم النبيلة، وأنه عندما تتفشى اللامساواة وتغيب العدالة فإن المجتمع سينحدر نحو الهاوية.
3 ـ البناء الفني للرواية:
أ ـ تركيب الرواية: تتشكل الرواية من ثمانية عشر فصلا، تتبع فيها الروائي شخصية سعيد مهران المركزية، وتبتدئ الرواية بلحظة خروجه من السجن، وتنتهي بلحظة محاصرته من طرف الكلاب وقوى الأمن والإجهاز عليه بالمقبرة. ويمكن قراءة هذه الرواية باعتبارها رواية الشخصية المركزية، أو رواية اجتماعية، واستنادا إلى ذلك كله فالرواية تعبير عن اعتراض الفئات الاجتماعية الفقيرة على المظاهر الاجتماعية الفاسدة كالزيف الاجتماعي، والتنكر للمبادئ، واستغلال براءة البسطاء.
ب ـ الحوار: يتمثل التجديد الذي سعى إليه نجيب محفوظ في هذه الرواية في تسليط الضوء على الذات البشرية وإعادة الاعتبار إليها، وتشخيص شعورها بالعالم المحيط بها. وقد برع نجيب محفوظ في توظيف الحوار في هذه الرواية، مما مكنه من التعبير عن الروح القلقة لأبطاله، وكشف الظلمة التي تحيط بهم. ويحضر الحوار في الرواية إما على شكل "مونولوج" داخلي تشتق فيه الشخصية من ذاتها آخر يقاسمها حديثها عن العالم، أو على شكل حوار مباشر تتحدث فيه الشخصيات عن مواقفها ورؤاها بصدد الموضوعات التي تواجهها. والحوار هو أداة الروائي في السرد، فليس كل الأحداث يعبر عنها سرديا، بل ثمة معلومات لا يتعرف عليها القارئ إلا عبر الحوار؛ وبذلك يكون الحوار مصدرا من مصادر المعرفة في الرواية.
الحوار الخارجي: يمكن أن نشير إلى الحوار الذي جمع سعيد حينما خرج من السجن والمخبر وعليش سدرة، وهو يرغب في استرداد ابنته. ففي هذا الحوار نقف على معاناة سعيد، وعلى غرابة العالم الذي يواجهه، وعلى انحدار القيم وتراجع مضامينها الإنسانية، وهو ما يتجلى بوضوح في كلام المخبر. ونشير كذلك إلى الحوارات التي دارت بين سعيد ونور بشقتها، وهي تعكس غربتهما المشتركة في هذا العالم، ومقدار غضبهما على ما يسوده من ظلم واحتقار وتهميش.
الحوار الداخلي: لا تقل عي الحوار الخارجي في الرواية، حيث تتحدث الشخصية إلى ذاتها كثيرا؛ ويكفي أن ننصت إلى سعيد مهران في لحظات خلوته، لنرى ما يحمله إلينا الحوار الداخلي من ألوان الضياع، والحزن، والوحدة.
جـ ـ الوصف:
أنجز التلاميذ عرضا جيدا في الوصف سوف أرسله إليكم عندما أصححه وأكتبه على الوورد
د ـ بنية الزمان: تعرض الرواية نموذجا للفئة الاجتماعية الفقيرة في مصر، وتتلاحق الأحداث المتعلقة بها بطريقة تتابعية تذكرنا بالرواية التقليدية، فهي تنطلق من لحظة الخروج من السجن والرغبة في الانتقام للشرف لتنتهي بمحاصرة البطل بالمقبرة والقضاء عليه. لكن هذا الانطباع الأولي سرعان ما يتلاشى عندما نتأمل في التركيب الفني للرواية، فالزمن فيها أداة تشخص بقوة أسئلة الفرد في هذا الواقع القهري الذي لا يتلاءم مع طموحاته. ولأن هذه الرواية تنتمي إلى الواقعية النقدية الرمزية، وهي واقعية تنطلق من انعكاس العالم في مرايا الذات، فإنها ركزت على الزمن النفسي وجعلته نافذة تلتقط من خلالها مشاكله وهمومه. وقد برع نجيب محفوظ في هذا الجانب المتعلق بالزمن الشخصي (النفسي)؛ فهو يغمض عينيه على الأعوام الطويلة في عالم الواقع ليلتفت إلى اللحظات المهمة والدقيقة في حياة الشخصية، وترى الناقدة سيزا قاسم بأن "الزمن النفسي مرتبط في الحقيقة بالشخصية، لا بالزمن حيث أن الذات أخذت محل الصدارة، فقد الزمن معناه الموضوعي وأصبح منسوجا في خيوط الحياة النفسية" [بناء الرواية دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ، ص: 73].
ويتمظهر الزمن النفسي في الرواية من خلال حدة الأزمة التي يعيشها البطل، وما يتولد في النفس بسببها من إحباط وشعور بالخيبة وعزلة. ومنذ افتتاحية الرواية نجد الزمن النفسي حاضرا، فبمجرد تخطي البطل لأزمة السجن، يجد نفسه في قلب أزمة أخرى تتمثل في خيانة زوجته له وزواجها من مساعده عليش، وعندما لم يجد من يهتم به قرر التوجه إلى صديقه رؤوف علوان، لكنه عندما التقى به وقف على خيانة أخرى لا تقل وقاحة عن الأولى، فبدا العالم في نظر البطل متأزما ومتدهور القيم وفارغ الروح. ومع تقدم الحكاية في الرواية وتعقد لحظاتها حيث علاقة الفرد بالعالم تزداد شراسة يبرز التأثير الفعال للزمن النفسي. ويكفي أن نقف عند متوالية سردية وردت على لسان السارد في الفصل الحادي عشر، وهو فصل يغلب عليه الاسترجاع السردي، نجد البطل يتذكر أمه والكيفية التي ماتت بها، فقد أصيبت بنزيف حاد، فحملها إلى المستشفى، مؤمنا بأهمية الإنسان ومركزيته في التعاليم التي تشبع بها، لكنه عندما ولج باب المستشفى لم يجد من يقاسمه الحسرة ويتعاطف مع والدته المريضة غير ممرضة أجنبية؛ وهو ما فجر غضبه واحتجاجه بشدة، وماتت والدته بعد شهر من هذا الحادث؛ يقول: "وجدت نفسك وأمك في قاعة استقبال عند المدخل فخيمة بدرجة لم تجر لك في خيال، وبدا المكان كله وكأنما يأمرك بالابتعاد ولكنك كنت في مسيس الحاجة إلى إسعاف، إسعاف سريع. ودلوه على الطبيب الشهير وهو خارج من غرفة فجرى إليه بجلبابه وصندله صائحا: أمي .. الدم .. فتفحصه الرجل بعينين زجاجيتين مستنكرا ومد بصره إلى حيث استلقت الأم على مقعد وثير بثوب كالسخام …" [اللص والكلاب:89 -90]. إذن فالرواية تتعين عملا إبداعيا كبيرا، فهي تعبر أولا عن السمة الإشكالية لبنية الزمن الحديث وبنية الإنسان الذي يعيش فيه، وتعطي ثانيا تعبيرا إشكاليا يطرح ما شاء من الأسئلة ويقذف بالإجابات في فضاء ملتبس على حد تعبير فيصل دراج [نظرية الرواية والرواية العربية، ص: 18].
هـ ـ بنية المكان: يكتسي الفضاء في هذه الرواية ـ التي تمثل تحولا فنيا في مسار نجيب محفوظ الإبداعي بالتركيز على الحياة الشخصية للفرد ومواجهتها للعالم ـ أهمية كبيرة. لا يحضر الفضاء في الرواية باعتباره إطارا تزيينيا يؤثث به الروائي عالم الرواية، بل هو مكون جوهري وأساسي ينطق بمقصدية الروائي، ويمكن من فتح مغاليق الذات وإظهار ما يتفاعل فيها من أنواع الشعور بالمعاناة والوحدة والعزلة. ويقل الوصف المتعلق بالمكان في الرواية، ويحضر بكثرة في تحديد ملامح الشخصيات الخارجية والداخلية؛ وهذه السمة الأسلوبية تتحقق في مجمل الأعمال الإبداعية الكبيرة التي نحت منحى واقعيا في التعبير عن حياة الفرد. ونمثل للفضاء في الرواية بما يلي:
ـ فضاء السجن: تفتتح به الرواية، يغادره سعيد مهران بعد ا، قضى به أربع سنوات، هو فضاء عزلة وحصار فيه يفقد الإنسان حريته.
ـ فضاء عطفة الصيرفي: يحمل إلى البطل مشاعر مزدوجة ومتناقضة، ففيه ألقي القبض عليه نتيجة السرقة. ويحمل إليه كذلك ذكرى جميلة تتصل بزواجه من نبوية ؛ قال: " وقبل ذلك بعام خرجت من العطفة تحمل دقيق العيد والأخرى تتقدمك حاملة سناء في قماطها، تلك الأيام الرائعة التي لا يدري أحد مدى صدقها" [اللص والكلاب: 8].
ـ فضاء حي الدراسة: حيث يقيم الشيخ علي الجنيدي المتصوف صديق والده، يتميز هذا المكان بالسكينة والاطمئنان والعزلة عن العالم، كما أنه مأوى لا يغلق أبدا، يلجأ إليه البطل في لحظات الشدة لكنه لا يشعره بالراحة، لأن رؤيته تختلف عن رؤية الشيخ.
ـ فضاء شقة نور: يكتسي هذا الفضاء أهمية كبيرة بالنسبة للبطل، وعلى الرغم من أنه لم يكن قادرا حتى على إشعال شمعة فيه خوفا من إثارة انتباه الجيران له، فإنه كان يجد فيه قدرا من الإنسانية ـ التي هجرت العالم الخارجي ـ في نور المرأة التي آوته وبادلته مشاعر الصدق والمحبة في أحلك الظروف.
ـ فضاء مقهى طرزان: في هذا الفضاء كان يحصل سعيد على معلومات عن أعدائه، وفيه حصل على المسدس الذي أهداه له طرزان لينتقم من الخونة.
ـ فضاء الفيلا التي يقيم فيها رؤوف علوان: وهو فضاء ينطق بالحياة الجديدة التي انخرط فيها رؤوف علوان، وينطق بالعهد الجديد، وشعاره الانتهازية والارتداد عن المواقف.
ـ فضاء المقبرة: يحمل هذا المكان دلالة الموت، والعزلة والوحدة والاغتراب الذي لا يطاق، فيها حوصر سعيد وقتل،
4 ـ البعد الاجتماعي:
أ ـ المظاهر الاجتماعية:
نفتتح الحديث عن المظاهر الاجتماعية في رواية اللص والكلاب بنص للناقد الفلسطيني فيصل دراج، يقول فيه: "إن كان الشكل الروائي يستدعي منطقيا، الفرد الإشكالي، فإن العلاقتين معا تستدعيان تاريخيا، المجتمع البورجوازي شرطا لتوليدهما. ولعل ارتباط العلاقتين بأشكال متعددة من المجتمع البورجوازي، هو ما يحدد تاريخية الجنس الروائي، بمعنى تعيين ميلاد هذا الجنس الأدبي وتحديد تحولاته الداخلية أيضا. وعلى هذا النحو، وكما يرى كولدمان، فإن العمل الروائي يعكس ماهية المجتمع البرجوازي، بقدر ما تترك تحولات المجتمع آثارها على تحولات الشكل الروائي " [نظرية الرواية والرواية العربية، ص: 42]. إن أهمية هذه الخلاصة التي شيدها فيصل دراج وهو يقرأ نظرية الرواية تتمثل في التأكيد على العلاقة الوشيجة بين الخطاب الأدبي والمجتمع الذي يعيش فيه المبدع، فالرواية هي تعبير عن المجتمع في تحولاته واتجاهاته وأشكال الصراع فيه.
تتجلى العلاقة بين رواية "اللص والكلاب" والمجتمع انطلاقا من المعاناة التي يعيشها البطل بعد خروجه من السجن، سببها الفساد الاجتماعي، واضمحلال القيم النبيلة في المجتمع المصري بعد الثورة. والرواية تسلط الضوء على أشكال هذا الفساد ممثلا في تفشي الفقر، ولجوء الأفراد إلى ممارسات غير سوية لتأمين حياتهم مثل المرأة "نور" التي تشعر أن حياتها فارغة من المعنى، لكننا نجد نجيب محفوظ يتعاطف معها ولا يحملها مسؤولية المسار الذي اتخذته لحياتها، بل يحمل مسؤولية ذلك الدولة الحديثة التي انسحبت إلى الوراء، وتركت الفقراء يواجهون مصيرهم الصعب. ولا تنحصر هذه الأشكال في الفقر فقط وإنما تتجسد كذلك في الخيانة، والنفاق، والانتهازية التي ذهب ضحيتها "سعيد مهران" الذي خرج من السجن فوجد زوجته تزوجت من مساعده "عليش سدرة" وأخذت معها ابنتهما "سناء" واستولت على أمواله، وفشل ابنته في التعرف عليه زاده إحساسا بالغربة في العالم الذي يعيش فيه. كما شعر بالخيانة من صديق طفولته "رؤوف علوان" الذي تنكر للقيم الاشتراكية التي اعتقل من أجلها، وانخرط في مسار جديد تنطق به جريدة "الزهرة" التي يديرها يدافع فيها عن التوجه الجديد، وعن لصوصه الأثرياء، متخليا عن الفقراء الذين كانوا إلى جانبه في نضالاته السابقة.
من هذا المنطلق يعتبر سعيد نفسه ممثلا للفقراء، وأن ما يقوم به من أعمال واختلاسات وانتقامات هو مدخل إلى التغيير الذي يطمح إليه، خاصة وأنه يواجه اللصوص الحقيقيين الذين خانوا الشعب واستولوا على ثرواته، وتركوه متخبطا في شقائه. يقول سعيد مهران في حوار داخلي: " إن من يقتلني إنما يقتل الملايين، أنا الحلم والأمل وفدية الجبناء، وأنا المثل والعزاء، والدمع الذي يفضح صاحبه، والقول بأنني مجنون ينبغي أن يشمل كافة العاطفين، فادرسوا أسباب هذه الظاهرة الجنونية واحكموا إن شئتم" [ص:120]، ونجده يطلب موتا له معنى يقول: " ولست أطمع في أكثر من أن أموت موتا له معنى" [ص: 115] نفهم من ذلك أن سعيد مهران يدفع حياته ثمنا للتغيير، أي إحلال القيم النبيلة محل القيم الفاسدة المتواجدة في المجتمع. وأنه عندما يموت وقد فعل ذلك يكون لموته معنى، ويعود للحياة معناها؛ يقول سعيد مهران:" … وسوف ترسل خطابا إلى الصحف بعنوان "لماذا قتلت رؤوف علوان" عند ذاك تسترد الحياة معناها المفقود. فالرصاصة التي تقتل رؤوف علوان تقتل في الوقت نفسه العبث" [ص:115].
ب ـ الدلالة الاجتماعية:
كتب نجيب محفوظ روايته هذه في بداية الستينات، وجه فيها عنايته إلى تصوير الحياة الفردية، وما يعصف بها في الواقع الاجتماعي من ضروب الإحباط والانكسار. إن التركيز على نفسية شخصية "سعيد مهران"، وإضاءة المجال الذي يتحرك فيه، وميل الكاتب إلى التعاطف مع بعض النماذج البشرية خاصة: "نور" و"طرزان"، كل ذلك يعكس طبيعة الرؤية التي يعبر عنها الكاتب، وهي نقد الفساد الاجتماعي والسياسي في المجتمع المصري في تلك الآونة. وإذا كانت الرواية لا تشير إلى ذلك علانية، فإننا نقف عليه من خلال ملفوظات الشخصيات، خاصة "سعيد" فنتبين حدة هذا النقد، وهو يسخر من الواقع الذي تخشبت فيه القيم، وجفت فيه العواطف، وصار فيه الإنسان أسير الغربة والعزلة والوحدة المقلقة؛ يقول سعيد مهران: "والدنيا بلا أخلاق ككون بلا جاذبية" [ص:115]. من هنا يتبدى أن قيمة الرواية لا تكمن فقط في قول الحقيقة وإنما كذلك في تقديم وجهة نظر عن معنى الحقيقة، مؤكدة أن الحقيقة إشكالية والباحث عنها إشكالي بدوره [فيصل دراج، مرجع مذكور، ص: 31] وهذا ما يتجسد بقوة في الصراع الذي يخوضه سعيد ضد قوى الفساد والانتهازية ممثلين في أعدائه الثلاثة: نبوية، وعليش، ورؤوف علوان.
تتمثل الدلالة التاريخية للرواية في إبراز معاناة الفرد في المجتمعات العربية نتيجة الفقر والحرمان وغياب الوعي المحفز على التغيير، في حين تبدو الدولة الحديثة منحازة للدفاع عن اللصوص والأثرياء، وتتنكر لطبقات الفقراء، لذلك فالرواية تنتقد هذا الوضع لتقف إلى جانب الفقراء، وتعلي من قيمهم وأخلاقهم المتمثلة في التضامن والحب، والإحساس بمعاناة الآخرين.
5 ـ البعد النفسي:
لا شك أن العلاقة بين الأدبي والنفسي لا تقل أهمية عن العلاقة بين الأدبي والاجتماعي. فالأدب يمثل مصدرا مهما لمعرفة إنسانيتنا، ومن خلال علاقتنا به ـ إبداعا أو تلقيا ـ نقترب من فهم أنفسنا؛ يقول في ذلك الناقد جان بيلمان: "…فالأدب يقدم وجهة نظر حول واقع الإنسان ووسطه، وحول الكيفية التي يدرك بها الإنسان هذا الوسط والروابط التي يقيمها معه. والتحليل النفسي يقدم نفسه بطريقة مماثلة: إنه والأدب يشتغلان بالطريقة نفسها، فهما يقرآن الإنسان في حياته اليومية وداخل قدره التاريخي، ويسعيان إلى بلوغ حقائق بالحديث عن الإنسان وهو يتحدث" [نقلا عن: الأدب والتحليل النفسي،حسن مودن، مجلة قوافل،نادي الرياض الأدبي، عدد: 21، يناير2007، ص: 21]. إننا لا نجانب الصواب إذا رأينا أن قراءة رواية "اللص والكلاب" من المنظور النفسي، تفضي بنا إلى إدراك ما تكتنز به من مشاعر وأحاسيس وعواطف متوترة، تكشف عن أزمة الإنسان ـ الذي تتحدث عنه ـ وقدره في عالم غريب لا يشعر بالاطمئنان فيه. إن نجيب محفوظ أيقن أن روايته "اللص والكلاب" التي تعلن عن مرحلة جديدة في الكتابة: واقعية نقدية وفلسفية، لا يمكن أن تكون كذلك، إلا في ضوء ميثاق مختلف يؤسس علاقة جديدة بقارئها، وقد اختار أن يبني هذه العلاقة على أسس رواية الشخصية الواحدة: تبحث في أعماق الحياة النفسية والداخلية لها، وتكشف عن ما يهدد الإنسان ويتهدده من خلالها، نتيجة الفساد السياسي والاجتماعي، ونتيجة تفسخ العلاقات الاجتماعية، وغياب القيم النبيلة.
أ ـ الحقل العاطفي: لا تنفصل المظاهر النفسية المتعددة التي نقف عليها في قراءة هذه الرواية عن المعرفة بالأحياء الهامشية للقاهرة التي راكمها نجيب محفوظ، فتواجده قريبا من من الإنسان في هذه الفضاءات مكنه من الكتابة عن همومه وعواطفه وانفعالاته. فسعيد مهران الشخصية الرئيسية في الرواية يعيش في فضاء هامشي، ويعاني القهر والحرمان والفقر، يبدو في الرواية إنسانا مفعما بالعواطف المتوترة سواء إزاء الذين خانوه، أو إزاء الزمن في أبعاده الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. من هذا المنطلق فإن الروائي يقربنا من نفسيته بالتركيز على تقنيتي: الاسترجاع، والاستباق. استرجاع طفولته ومراهقته وشبابه، وعلاقته بأسرته (والده ووالدته)، وأصدقائه خاصة رؤوف علوان، ومساعده عليش، ونور وطرزان، وكذلك الشيح علي الجنيدي صديق والده. وهذه المعارف التي تحضر في الرواية إما على لسان السارد أو الشخصية تساعدنا على فهم أزمة سعيد، فهي ليست جنونا كما يدعي أعداؤه، وإنما هي نتاج التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المصري في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي تحولات تنكرت لكل ما هو جميل واستبدلته بالخيانة والانتهازية والوصولية؛ لذلك فسعيد مهران يشعر بالغربة في هذا المجتمع، وأن الحياة الجميلة فيه لن تتأتى إلا باقتلاع الخونة من جذورهم.
يشعر سعيد مهران بالخيانة، ويسعى للانتقام لشرفه من الذين خانوه، فكذلك الأمر بالنسبة لأعدائه فهم يضمرون له المشاعر نفسها التي يكنها لهم. والذي يضيء أزمة سعيد مهران النفسية هي المرأة "نور" الشخصية المفعمة بالصدق والمحبة والإنسانية، فهي مثل سعيد، غريبة في مجتمعها، تعيش حياة الفقر والشقاء، فهي تتعاطف مع سعيد، وتأويه، وتكره من تسبب في أزمته.
ب ـ العلاقات العاطفية: تحضر في الرواية مجموعة من العلاقات العاطفية منها:
ـ علاقة توتر وكراهية: وتجمع بين سعيد مهران ونبوية وعليش ورؤوف علوان، فهو يكرهم لأنهم خانوه بأشكال مختلفة، ويسعى للانتقام منهم من أجل إعطاء معنى لحياته وحياة الفقراء الذين يمثلهم.
ـ علاقة حب: وتجمع بين سعيد وابنته سناء من جهة، وبينه وبين نور من جهة أخرى.
ـ علاقة روحية: وتجمع بين سعيد والشيخ علي الجنيدي المتصوف صديق والده، لكن هذه العلاقة ليس لها تأثير على الشخصية المركزية، فكلاهما له مذهبه في الحياة، ورؤيته الخاصة لها.
ـ علاقة التواصل: وهي تعكس حنين سعيد مهران إلى الفضاءات التي ارتبط بها بقوة كارتباطه بطرزان وبمقهاه، لذلك فهو يرتاده في ظروف الحصار، باحثا عن احتياجاته الأساسية: السلاح، والطعام، والأخبار المتعلقة بالخونة.
جـ ـ الثيمات السيكولوجية: تحضر في الرواية مجموعة من الثيمات السيكولوجية منها:
ـ ثيمة الخيانة: وهي ثيمة مركزية في الرواية، يعاني منها سعيد، ويرفضها. فحقيقة الحياة عنده تكمن في حفاظ المرء على شرفه، وصونه لكرامته وقيمه النبيلة. وإذا كانت الحياة ملطخة بهؤلاء الخونة فيجب عليه أن يخلص البشرية من أذاهم, فهو يعتبر نفسه رمزا للبسطاء الذين تعرضوا للخيانة مثله، لكنهم لا يمتلكون القدرة على المقاومة ورفع التحدي.
ـ ثيمة الظلم: نصادفها منذ افتتاحية الرواية عند خروجه من السجن: "وفي انتظاره وجد بذلته الزرقاء، وحذاءه المطاط، وسواهما لم يجد في انتظاره أحدا … ولا شفة تفتر عن ابتسامة… وهو واحد خسر الكثير، حتى الأعوام الغالية خسر منها أربعة غدرا، وسيقف عما قريب أمام الجميع متحديا" [ص: 7]. ويعاني من الظلم كذلك: "نور" فهي لا تتمنى سوى نومة مطمئنة وجلسة وديعة، وعندما يتعذر عليها ذلك تتساءل عما إذا كان ذلك متعذرا على الله سبحانه وتعالى [ص: ] وهي قمة الأزمة الوجودية التي تخنق أنفاسها.
ـ ثيمة الحب: وهي لا تقل أهمية عن سابقتيها من حيث الدور الذي تقوم به في تحريك أحداث الرواية. فالحب الذي كان يربط سعيد بزوجته نبوية، هو الذي أشعل شعور الخيانة وزاد من حدتها. وكذلك حبه لابنته سناء التي لم تتعرف عليه، وتلك قمة الغربة التي عانى منها، ومع ذلك فهو يصرح أن "سناء إذا حضرت في النفس انجاب عنها الحر والغبار والبغضاء والكدر، وسطع الحنان فيها كالنقاء غب المطر. ماذا تعرف الصغيرة عن أبيها؟ .. لا شيء، كالطريق والمارة والجو المنصهر"[ص: 8]. وهذه الثيمة نشاهدها في العلاقة الرابطة بين سعيد ونور، فهو وإن لم يفصح بذلك أثناء إقامته بشقتها عند محاصرته، فإنه أعلن ذلك عندما غادرت نور شقتها، وأدرك مقدار الفراغ الذي أحسه نتيجة غيابها، فأيقن أنه يحبها [ص:123].
ـ ثيمة الغربة: يكابد مرارتها سعيد، يشعر بأنه وحيد في هذا العالم، وتقاسمه نور هذا الشعور، فهما يشعران بالضياع، وعبثية العالم.
د ـ الدلالة والأبعاد النفسية للنص: عندما نقوم بتجميع هذه العناصر النفسية المتعددة التي تحضر بقوة في النص من خلال ملفوظات الشخصيات ومواقفها وممارساتها، يتبن أن نجيب محفوظ سعى من خلال التركيز على نفسية البطل أن يستجلي التحولات الصعبة التي يعيشها المجتمع المصري، ويلفت الانتباه إلى أثرها في نفسية الفرد، خاصة الفقراء والضعفاء والبسطاء. ولأن سعيدا مثقف فإنه لم يتخل عن الكتاب، وهو واثق من صحة مذهبه الذي تشرب مبادئه من صديقه الخائن رؤوف علوان، وبذلك جسد الروائي إحساس سعيد مهران بالخيبة ونزوعه إلى التمرد على المجتمع الذي لم يبال بأزمته. وقد نجح سعيد مهران في جعل أزمته في الواجهة رغم فشله في الانتقام من أعدائه.
6 ـ الأسلوب:
أ ـ مستويات اللغة:
إن استقراءنا للغات التي تتحدثها الشخصيات في الرواية يجعلنا نميل إلى وضعها ضمن المجالات التالية:
ـ لغة التمرد والغضب: وهي لغة "سعيد مهران" وهي تعكس الغربة التي يعاني منها في الواقع الاجتماعي الذي ماتت فيه القيم الإيجابية، وطغى فيه الظلم والفساد الاجتماعي.
ـ لغة تبريرية: وهي لغة الشخصيات التي تخلت عن مواقفها السابقة، لتعيش واقعها الجديد. وهي لغة "رؤوف علوان" ونصح بها صديقه "سعيد مهران" عندما زاره بعد خروجه من السجن. وتتعرض هذه اللغة للسخرية داخل الرواية، سواء من خلال ملفوظات "سعيد" أو "نور" أو "طرزان".
ـ لغة الوحدة والمعاناة: وهي لغة "نور" التي لا تتمنى سوى الشعور بالاطمئنان والهناء في هذا العالم الذي يشعرها بالضياع.
ـ لغة التصوف: وهي لغة "الشيخ علي الجنيدي" لا تستطيع هذه اللغة أن تتخذ موقفا ظاهرا من الظلم الذي يتعرض له سعيد مهران والشخصيات الفقيرة البئيسة التي تؤمن بقضيته.
ب ـ الأسلوب ورهانات النص:
إن الكتابة عن الغربة والضياع والوحدة التي يشعر بها الفرد في المجتمعات العربية عامة والمجتمع المصري خاصة، تتعدى عند نجيب محفوظ حدود الارتباط بالشخصية الروائية، والإيهام بالواقعية من خلال تشخيص ما يعترض مسيرة البطل من ضروب الانكسارات، فهي تساؤل وبحث مضن عن الاستراتيجيات الفنية الكفيلة بخدمة المضمون وتحديد ملامحه. استثمر نجيب محفوظ في هذه الرواية اللغة وأساليب السرد بطريقة مبتكرة جعلت النقاد يعتبرونها لحظة انعطاف في تجربته الروائية، خاصة إذا اخذنا بعين الاعتبار ابتعاد الكاتب عن الرؤية الواحدة والشمولية، ليفسح المجال أمام السارد والشخصية ليتبادلا الأدوار، ويضيئان الموضوع من جوانبه المختلفة. من هذا المنظور لا ينفصل الأسلوب عن الوسائل الأخرى التي وظفها الكاتب في هذه الرواية، بل ينخرط في إظهار الرؤية التي يقصد الروائي التعبير عنها، وهي إبراز التحولات الاجتماعية والسياسية وانعكاساتها على الفرد في المجتمعات العربية، وما نجم عنها من غربة وفساد.
ثالثا: القراءة التركيبية:تعتبر "اللص والكلاب" رواية الواقعية النفقدية، فهي تشخص بعمق مشاكل الفرد في مجتمع تلاشت فيه القيم النبيلة، وساده الظلم والفساد، هذه الرؤية المأساوية التي عبر عنها نجيب محفوظ في هذه الرواية تستخلص من خلال مسار البطل الفردي. وإن الإصغاء لمشاكله ومعاناته مع الذين خانوه يعكس أزمته الداخلية، وهي أزمة تضعه في خانة البطل الإشكالي، الذي يطمح إلى بعث القيم النبيلة في مجتمع يفتقد إليها نتيجة ما يعانيه من تشيؤ. إن الواقعية النقدية والرمزية التي تندرج ضمنها هذه الرواية تظهر من خلال ارتباط النص بأزمة الفرد؛ لذلك لا تكمن الأهمية فيها في التعبير عن الواقع وإنما في استبطان الحياة الداخلية، وتلمس المعاناة التي يعيشها الفرد في المجتمع. ونجد نجيب محفوظ يعطي الأولوية لشخصية البطل، أما الاهتمام بالشخصيات الأخرى فبقدر علاقتها بالبطل، ودورها في الكشف عن نمو الأحداث وتطورها. وقد لا حظنا أن مختلف مكونات الرواية: الأزمنة، الفضاءات، تشتغل بقوة من أجل التعبير عن الشخصية وجعلها واضحة المعالم كما رسمها المؤلف. لذلك ليس غريبا أن ينحو نجيب محفوظ منحى خاصا في التعامل مع هذه المكونات فالوصف المرتبط بالأمكنة لا يحضر بتلك الكثافة إلا في علاقته بالشخصية، وكذلك الزمن، فالروائي لا يهتم بالزمن الطبيعي بقدر اهتمامه بالزمن النفسي الذي يظهر على شكل معاناة وآهات لا حد لها. وقد نوع الروائي كذلك من تقنيات السرد والتداخل بين السارد والشخصية ومزج الأزمنة وإحداث تداخل بينها عن طريق الاسترجاع والاستباق، فضلا عن تسريع وتيرة السرد بالاستفادة من تلخيص الأحداث وحذف بعضها. أما الحوارات فقد تنوعت أساليبها إلى حوارات داخلية وأخرى خارجية أضاءت موقف الشخصيات ومنظورها إزاء ما يواجهها في العالم الذي تعيش فيه.
كتب مجموعة من النقاد عن تجربة نجيب محفوظ في هذه الرواية، الشيء الذي بوءها مكانة مهمة، جعلها تفصح عن مرحلة جديدة في مسار الكاتب. ونورد مثالا لذلك شهادة هؤلاء النقاد:
1 ـ الناقد الأمريكي روجيه ألان؛ يقول عن المنحى الفني في الرواية:
" وبعد نشر أولاد حارتنا لأول مرة على صفحات الأهرام عام 1959 اتخذ نجيب محفوظ لنفسه مسارا جديدا في إبداعه الروائي، إذ كرس نفسه للكتابة حول اغتراب الفرد في مجتمع قلما تتواءم فيه المثل العليا مع الواقع المعاش. وقد تميزت هذه الفترة من مسار محفوظ بالاقتصاد في وصف الأماكن بصورة خاصة مع التركيز على التعرف على الأبعاد النفسية للشخصيات باستخدام الحوار الداخلي وأسلوب تيار الوعي، بالإضافة إلى استخدام حاذق وفعال للرموز. فأبطال هذه الروايات "اللص والكلاب"، "السمان والخريف"، "ثرثرة فوق النيل"، "ميرامار" وشخصياتها يجدون أنفسهم غرباء لسبب أو آخر ضمن المجتمع المصري". [روجي ألان، الرواية العربية مقدمة تاريخية ونقدية، ترجمة: حصة إبراهيم المنيف، المشروع القومي للترجمة، 1997، ص: 166].
2 ـ يوسف الشاروني؛ قال عن بطل الرواية:
" أما سعيد مهران، فبعد أن تختفي نور من حياته يختفي كل نور من حياته، وتحيط به الكلاب من كل جانب، حتى ليعجز عن تحديد مصدر نباحها، فيستسلم يائسا لمطارديه وهو يئن قائلا: "لا أما في الهروب من الظلام بالجري في الظلام، نجا الأوغاد، وحياتك عبث" .. وبالرغم من أن سعيد مهران كان لصا ثم قاتلا إلا أن معرفتنا بالمبررات التي أدت به إلى هذا المصير جعلت منه الضحية ومن غيره الجناة .. ورغبته في الانتقام تمثل عصا العدالة أو ـ على أقل تقدير ـ الشر الذي يعاقب الشر! وكلما طاشت رصاصته وأصابت أبرياء أحسسنا أن العدالة تطيش .. وهزيكته ليست إلا هزيمة للعدل أو لرغبتنا في الثأر من الشر، واستسلامه ليس إلا استسلاما للجناة أو من يسميهم بالكلاب" [يوسف الشاروني، نقلا عن كتاب عبد الرحمن ياغي: في الجهود الروائية، ص: 187].